كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

فيلطف بنا ويوفقنا! فصارت هذه المقالة شبهة فيها كلام حَقٍّ أُريد به باطل، فقولهم: {لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا} هذا كلام حق لا شك فيه؛ لأنه لا يقع في الكون خير ولا شر، ولا تحريكة ولا تَسْكينة إلا بمشيئة الله {وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} [الأنعام: الآية 35]، {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [السجدة: الآية 13]، {فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: الآية 149]، فقول الذين أشركوا: {لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا} هذا كلام صدق وحق لا شَكَّ فِيه.
فَلِطَالِبِ العِلْمِ أنْ يَقُولَ: ما دام كلامهم حقّاً، وهم صادقون في قولهم: {لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا} -أي: ولا أشرك آباؤنا- {وَلاَ حَرَّمْنَا} أي: نحن ولا آباؤنا شَيْئاً لم يحرمه الله؛ كالبحيرة والسائبة، وهذا الكلام الذي ذكر هنا أن الكفار سيقولونه في المستقبل صرح بأنهم قالوه في (النحل) و (الزخرف)، هو بالنظر إلى ذاته كلام حق لا شك فيه؛ لأن الله لو شاء ألا يشركوا ما أشركوا، ولو شاء ألا يحرموا شيئًا ما حرموا شيئًا.
لطالب العلم أن يقول: إذا كان كلامهم هذا حقّاً، فَلِمَ قال: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم} وفي بعض القراءات -وقد تَمَسَّكَ بها المعتزلة لمذهبهم- قال: (كذلك كَذَبَ الذين من قَبْلِهِمْ) بالتخفيف (¬1)، فما وجه هذا التكذيب؟ وما قالوا إلا حقّاً.
الجواب: أنَّهَا كَلِمَة حق أُريد بها باطل؛ لأنهم قالوا ذلك يستدلون به على أن الله راضٍ عنهم بفعلهم هذا، وهذه المقالة الكاذبة الكافرة هي التي أرادوها بكلامهم، فصار التكذيب مُنْصَبّاً عليها.
¬_________
(¬1) وهي قراءة شاذة. انظر: البحر المحيط (4/ 247)، الدر المصون (5/ 211).

الصفحة 417