كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)
كذا قالوا واللَّهُ - تعالى - أعلمُ؛ ولذا لِمَا نَوَّهَ بهذه البصائرِ التي هي النعمةُ العظيمةُ: {قَدْ جَاءكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ} [الأنعام: آية 104] أَمَرَ بِاتِّبَاعِهَا وقال: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [الأنعام: آية 106] وهذا الذي أُوحِيَ إليك من ربكَ هو تلك البصائرُ، أي: الْحُجَجُ القاطعاتُ، والأدلةُ الساطعاتُ الواضحاتُ، التي لا تتركُ في الحقِّ لَبْسًا، التي صَرَّفَهَا اللَّهُ في هذا القرآنِ العظيمِ {وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ} [الأنعام: آية 105] كما قال جل وعلا: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} [الإسراء: آية 89] وهذا معنَى قولِه: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [الأنعام: آية 106].
وهذه الآيةُ نَصَّ بأن الذي يجبُ اتِّبَاعُهُ هو الوحيُ، وهو القرآنُ العظيمُ، فلا يجوزُ اتباعُ غيرِه، فَمَنِ اتبعَ تَشْرِيعًا غيرَه فَرَبُّهُ من اتبع تشريعَه، كما بَيَّنَّاهُ مِرَارًا (¬1)، وكما سيأتِي إيضاحُه مِرَارًا في هذه السورةِ الكريمةِ سورةِ الأنعامِ (¬2)؛ لأن التشريعَ إنما هو لخالقِ السماواتِ والأرضِ، كما أنه لاَ شريكَ له في عبادتِه: كذلك لا شريكَ له في حُكْمِهِ؛ ولذا قال تعالى في العبادةِ: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)} [الكهف: آية 110] وقال في حُكْمِهِ: {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26)} [الكهف: آية 26] وفي قراءةِ ابنِ عامرٍ: {وَلاَ تُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} (¬3)
فالحكمُ لِلَّهِ وحدَه، كما أن العبادةَ له وحدَه، فهو المعبودُ وحدَه (جل وعلا)،
¬_________
(¬1) ما سبق عند تفسير الآية (57) , والآية (94) من سورة الأنعام.
(¬2) انظر ما سيأتي عند تفسير الآية (128) من سورة الأنعام، والآية (158) من سورة الأعراف، والآيتين (28، 31) من سورة التوبة.
(¬3) انظر: المبسوط لابن مهران، ص277 ..