كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 2)

الثاني: أنه ما نَابَ عن المطلقِ من «يسبوا»؛ لأن سَبَّ اللَّهِ عُدْوَانٌ {فَيَسُبُّوا اللَّهَ} معناه: يَعْتَدُوا بِسَبِّ اللَّهِ {عَدْوًا}، أي: عُدْوَانًا. وعليه فهو ما نَابَ عَنِ الْمُطْلَقِ.
والإعرابُ الثالثُ فيه: أنه مَفْعُولٌ من أَجْلِهِ، أي: فَيَسُبُّوا اللَّهَ لأجلِ عُدْوَانِهِمْ وطغيانِهم وظلمِهم.
وقولُه: {بِغَيْرِ عِلْمٍ} الظاهرُ أن الجارَّ والمجرورَ في محلِّ حَالٍ ثَانِيَةٍ (¬1)، أي: حالَ كونِهم معتدينَ جاهلينَ، لاَ علمَ لهم بما يَنْبَغِي أن يقالَ في اللَّهِ، حيث يَسُبُّوا اللَّهَ (جل وعلا). وهذا معنَى قولِه: {عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ}.
وهذه الآيةُ الكريمةُ - من آياتِ الأحكامِ - أَخَذَ العلماءُ منها أصلَ (سَدِّ الذرائعِ) (¬2)؛ لأَنَّ سَبَّ الأصنامِ بالنسبةِ إلى ذاتِه جَائِزٌ مطلوبٌ، ولكن لَمَّا كان هذا الأمرُ المحمودُ الطيبُ - وهو سَبُّ الأصنامِ وتقبيحُها - قد يُؤَدِّي إلى أمرٍ آخرَ لا يجوزُ، وهو سَبُّ اللَّهِ، مُنِعَ هذا الشيءُ الطيبُ سدًّا للذريعةِ التي
[14/أ] ... وذريعةُ الشيءِ /أَصْلُهَا طريقُه الموصلةُ إليه (¬3).
ومعروفٌ عِنْدَ علماءِ الأصولِ أن الذرائعَ ثلاثةُ أقسامٍ (¬4):
قِسْمٌ منها يَجْبُ سَدُّهُ إجماعًا، كما دَلَّتْ عليه هذه الآيةُ الكريمةُ
¬_________
(¬1) انظر: الدر المصون (5/ 101).
(¬2) انظر: القرطبي (7/ 61)، البحر المحيط لأبي حيان (4/ 199).
(¬3) انظر: المصباح المنير (مادة: ذرع) ص79، اللسان (مادة: ذرع)، (1/ 1064 - 1065)، المعجم الوسيط (مادة: ذرع) (1/ 311).
(¬4) في مسألة الذرائع وأدلتها انظر: الفروق للقرافي (2/ 32)، (3/ 266)، شرح تنقيح الفصول ص448، القواعد للمقري (2/ 471 - 474)، إحكام الفصول ص567 - 571، تفسير القرطبي (2/ 57 - 60)، الفتاوى (23/ 186 - 187)، إعلام الموقعين (3/ 135 - 159)، إغاثة اللهفان (1/ 361 - 367)، تهذيب سنن أبي داود (5/ 102)، الموافقات (4/ 198 - 200)، البحر المحيط للزركشي (6/ 82 - 86)، فتح الباري (10/ 404)، إرشاد الفحول ص246، نثر الورود (2/ 575).

الصفحة 88