"""""" صفحة رقم 195 """"""
طاعة وليس بقربة لأنه ينظر للمعرفة فهو مطيع وليس بمتقرب لأنه إنما يتقرب إلى من يعرفه ، قال : وقد ذكر شيخنا الإمام في هذا المقام شيئاً حسناً فقال : قبل مجيء الرسول تتعارض الخواطر والطرق إذ ما من خاطر يعرض له إلا ويمكن أن يقدر أن يخطر خاطر آخر على نقيضه فتتعارض الخواطر ويقع العقل في حيرة ودهشة فيجب التوقف إلى أن تنكشف الغمة وليس ذلك إلا بمجيء الرسول ، وههنا قال الأستاذ أبو إسحاق : إن قول لا أدري نصف العلم ومعناه أنه انتهى علمي إلى حد وقف عند مجازه العقل وهذا إنما يقوله من دقق في العلم وعرف مجاري العقل مما لا يجري فيه ويقف عنده انتهى.
وقال الإمام فخر الدين الرازي في المحصول : شكر المنعم لا يجب عقلاً خلافاً للمعتزلة لنا أنه لو تحقق الوجوب قبل البعثة لعذب تاركه فلا وجوب. أما الملازمة فبينة. وأما أنه لا تعذيب فلقوله سبحانه : ) وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ( نفى التعذيب إلى غاية البعثة فينتفي وإلا وقع الخلف في قول الله وهو محال انتهى ، وذكر أتباعه مثل ذلك كصاحب الحاصل والتحصيل ، والبيضاوي في منهاجه.
وقال القاضي تاج الدين السبكي في شرح مختصر ابن الحاجب على مسألة شكر المنعم : تتخرج مسألة من لم تبلغه الدعوة فعندنا يموت ناجياً ولا يقاتل حتى يدعى إلى الإسلام وهو مضمون بالكفارة والدية ولا يجب القصاص على قاتله على الصحيح ، وقال البغوي في التهذيب : أما من لم تبلغه الدعوة فلا يجوز قتله قبل أن يدعى إلى الإسلام ، فإن قتل قبل أن يدعى إلى السلام وجب في قتله الدية والكفارة ، وعند أبي حنيفة لا يجب الضمان بقتله ، وأصله أنه عندهم محجوج عليه بعقله وعندنا هو غير محجوج عليه قبل بلوغ الدعوة إليه لقوله : ) وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ( فثبت أنه لا حجة عليه قبل مجيء الرسول انتهى. وقال الرافعي في الشرح : من لم تبلغه الدعوة لا يجوز قتله قبل الإعلام والدعاء إلى الإسلام ولو قتل كان مضموناً خلافاً لأبي حنيفة ، وبني الخلاف على أنه محجوج عليه بالعقل عنده ، وعندنا من لم تبلغه الدعوة لا تثبت عليه الحجة ولا تتوجه المؤاخذة قال تعالى : ) وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ( انتهى. وقال الغزالي في البسيط : من لم تبلغه الدعوة يضمن بالدية والكفارة لا بالقصاص على الصحيح لأنه ليس مسلماً على التحقيق وإنما هو في معنى المسلم ، وقال ابن الرفعة في الكفاية : لأنه مولود على الفطرة ولم يظهر منه عناد.
وقال النووي في شرح مسلم في مسألة أطفال المشركين : المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون أنهم في الجنة لقوله تعالى : ) وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ( قال : وإذا كان لا يعذب البالغ لكونه لم تبلغه الدعوة فغيره أولى انتهى. فإن قلت : هذا المسلك الذي قررته هل هو عام في أهل الجاهلية كلهم ؟ قلت : لا بل هو خاص بمن لم تبلغه دعوة نبي أصلاً ، كما من بلغته منهم دعوة أحد من الأنبياء السابقين ثم أصر على كفره فهو في النار قطعاً وهذا لا نزاع فيه. وأما الأبوان الشريفان فالظاهر من حالهما ما ذهبت إليه