"""""" صفحة رقم 196 """"""
هذه الطائفة من عدم بلوغهما دعوة أحد وذلك لمجموع أمور ، تأخر زمانهما ، وبعد ما بينهما وبين الأنبياء السابقين ، فإن آخر الأنبياء قبل بعثة نبينا صلى الله عليه وسلّم عيسى عليه السلام وكانت الفترة بينه وبين بعثة نبينا نحو ستمائة سنة ، ثم أنهما كانا في زمن جاهلية وقد طبق الجهل الأرض شرقاً وغرباً وفقد من يعرف الشرائع ويبلغ الدعوة على وجهها إلا نفراً يسيراً من أحبار أهل الكتاب مفرقين في أقطار الأرض كالشام وغيرها ، ولم يعهد لهما تقلب في الأسفار سوى إلى المدينة ولا عمر عمراً طويلاً بحيث يقع لهما فيه التنقيب والتفتيش ، فإن والد النبي صلى الله عليه وسلّم لم يعش من العمر إلا قليلاً.
قال الإمام الحافظ صلاح الدين العلائي في كتابه الدرة السنية في مولد سيد البرية : كان سن عبد الله حين حملت منه آمنة برسول الله صلى الله عليه وسلّم نحو ثمانية عشر عاماً ثم ذهب إلى المدينة ليمتار منها تمراً لأهله فمات بها عند أخواله من بني النجار والنبي صلى الله عليه وسلّم حمل على الصحيح انتهى ، وأمه قريبة من ذلك لا سيما وهي امرأة مصونة محجبة في البيت عن الاجتماع بالرجال ، والغالب على النساء أنهم لا يعرفن ما الرجال فيه من أمر الديانات والشرائع خصوصاً في زمان الجاهلية الذي رجاله لا يعرفون ذلك فضلاً عن نسائه ، ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلّم تعجب من بعثته أهل مكة وقالوا : ) أبعث الله بشراً رسولاً ( وقالوا : ) لو شاء ربنا لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ( فلو كان عندهم علم من بعثة الرسل ما أنكروا ذلك ، وربما كانوا يظنون أن إبراهيم بعث بما هم عليه فإنهم لم يجدوا من يبلغهم شريعة إبراهيم على وجهها لدثورها وفقد من يعرفها ، إذ كان بينهم وبين زمن إبراهيم أزيد من ثلاثة آلاف سنة فاتضح بذلك صحة دخولهما في هذا المسلك.
ثم رأيت الشيخ عز الدين بن عبد السلام قال في أماليه ما نصه : كل نبي أرسل إلى قومه إلا نبينا صلى الله عليه وسلّم قال : فعلى هذا يكون ما عدا قوم كل نبي من أهل الفترة إلا ذرية النبي السابق فإنهم مخاطبون ببعثة السابق إلا أن تدرس شريعة السابق فيصير الكل من أهل الفترة هذا كلامه فبان بذلك أن الوالدين الشريفين من أهل الفترة بلا شك لأنهما ليسا من ذرية عيسى ولا من قومه ، ثم يرشح ما قال حافظ العصر أبو الفضل بن حجر : أن الظن بهما أن يطيعا عند الامتحان أمران : أحدهما ما أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه عن ابن مسعود قال : ( قال شاب من الأنصار لم أر رجلاً كان أكثر سؤالاً لرسول الله صلى الله عليه وسلّم منه يا رسول الله أرأيت أبواك في النار فقال : ما سألتهما ربي فيطيعني فيهما وإني لقائم يومئذ المقام المحمود ) فهذا الحديث يشعر بأنه يرتجى لهما الخير عند قيامه المقام المحمود وذلك بأن يشفع لهما فيوفقا للطاعة إذا امتحنا حينئذ كما يمتحن أهل الفترة ، ولا شك في أنه يقال له عند قيامه ذلك المقام سل تعط واشفع تشفع كما في الأحاديث الصحيحة فإذا سأل ذلك أعطيه ، الأمر الثاني ما أخرجه ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس في قوله تعالى : ) ولسوف يعطيك ربك فترضى ( قال : من رضا محمد صلى الله عليه وسلّم أن لا يدخل أحد من أهل