كتاب الحاوي للفتاوي ـ العلمية (اسم الجزء: 2)

"""""" صفحة رقم 199 """"""
كتابه أسرار التنزيل ما نصه: قيل إن آزر لم يكن والد إبراهيم بل كان عمه واحتجوا عليه بوجوه: منها أن آباء الأنبياء ما كانوا كفاراً ويدل عليه وجوه، منها قوله تعالى:) الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين (قيل معناه أنه كان ينقل نوره من ساجد إلى ساجد، وبهذا التقدير فالآية دالة على أن جميع آباء محمد صلى الله عليه وسلّم كانوا مسلمين، وحينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم ما كان من الكافرين إنما ذاك عمه أقصى ما في الباب أن يحمل قوله تعالى:) وتقلبك في الساجدين (على وجوه أخرى. وإذا وردت الروايات بالكل ولا منافاة بينها وجب حمل الآية على الكل، ومتى صح ذلك ثبت أن والد إبراهيم ما كان من عبدة الأوثان ثم قال: ومما يدل على أن آباء محمد صلى الله عليه وسلّم ما كانوا مشركين قوله عليه السلام: (لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات) وقال تعالى:) إنما المشركون نجس (فوجب أن لا يكون أحد من أجداده مشركاً هذا كلام الإمام فخر الدين بحروفه وناهيك به إمامة وجلالة فإنه إمام أهل السنة في زمانه، والقائم بالرد على من فرق المبتدعة في وقته، والناصر لمذهب الأشاعرة في عصره وهو العالم المبعوث على رأس المائة السادسة ليجدد لهذه الأمة أمر دينها وعندي في نصرة هذا المسلك وما ذهب إليه الإمام فخر الدين أمور، أحدها دليل استنبطته مركب من مقدمتين: الأولى: أن الأحاديث الصحيحة [دلت] على أن كل أصل من أصول النبي صلى الله عليه وسلّم من آدم إلى أبيه عبد الله فهو من خير أهل قرنه وأفضلهم. والثانية: أن الأحاديث والآثار دلت على أنه لم تخل الأرض من عهد نوح أو آدم إلى بعثة النبي صلى الله عليه وسلّم ثم إلى أن تقوم الساعة من ناس على الفطرة يعبدون الله ويوحدونه ويصلون له وبهم تحفظ الأرض، ولولاهم لهلكت الأرض ومن عليها، وإذا قارنت بين هاتين المقدمتين أنتج منها قطعاً أن آباء النبي صلى الله عليه وسلّم لم يكن فيهم مشرك لأنه قد ثبت في كل منهم أنه من خير قرنه، فإن كان الناس الذين هم على الفطرة هم إياهم فهو المدعى، وإن كانوا غيرهم وهم على الشرك لزم أحد أمرين: إما أن يكون المشرك خيراً من المسلم وهو باطل بالإجماع وإما أن يكون غيرهم خيراً منهم وهو باطل لمخالفة الأحاديث الصحيحة فوجب قطعاً أن لا يكون فيهم مشرك ليكونوا من خير أهل الأرض كل في قرنه.
ذكر أدلة المقدمة الأولى: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه). وأخرج البيهقي في دلائل النبوة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: (ما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما، فأخرجت من بين أبويّ فلم يصبني شيء من عهد الجاهلية، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأمي فأنا خيركم نفساً وخيركم أباً).
وأخرج أبو نعيم في دلائل النبوة من طرق عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذباً لا تنشعب شعبتان إلا

الصفحة 199