"""""" صفحة رقم 203 """"""
وأخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن السدي أنه قيل له اسم أبي إبراهيم آزر فقال: بل اسمه تارح، وقد وجه من حيث اللغة بأن العرب تطلق لفظ الأب على العم إطلاقاً شائعاً وإن كان مجازاً، وفي التنزيل:) أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق (فأطلق على إسماعيل لفظ الأب وهو عم يعقوب كما أطلق على إبراهيم وهو جده؛ أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كان يقول: الجد أب ويتلو:) قالوا نعبد إلهك وإله آبائك (الآية. وأخرج عن أبي العالية في قوله:) وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل (قال: سمي العم أباً، وأخرج عن محمد بن كعب القرظي قال: الخال والد، والعم والد وتلا هذه الآية.
فهذه أقوال السلف من الصحابة، والتابعين في ذلك، ويرشحه أيضاً ما أخرجه ابن المنذر في تفسيره بسند صحيح عن سليمان بن صرد قال: لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار جعلوا يجمعون الحطب حتى أن كانت العجوز لتجمع الحطب، فلما أن أرادوا أن يلقوه في النار قال: حسبي الله ونعم الوكيل، فلما ألقوه قال الله:) يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم (فقال عم إبراهيم: من أجلي دفع عنه فأرسل الله عليه شرارة من النار فوقعت على قدمه فأحرقته، فقد صرح في هذا الأثر بعم إبراهيم وفيه فائدة أخرى وهو أنه هلك في أيام إلقاء إبراهيم في النار، وقد أخبر الله سبحانه في القرآن بأن إبراهيم ترك الاستغفار له لما تبين له أنه عدو لله، ووردت الآثار بأن ذلك تبين له لما مات مشركاً وأنه لم يستغفر له بعد ذلك.
أخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عباس قال: ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات فلما مات تبين له أنه عدو لله فلم يستغفر له. وأخرج عن محمد بن كعب، وقتادة، ومجاهد، والحسن، وغيرهم قالوا: كان يرجوه في حياته فلما مات على شركه تبرأ منه، ثم هاجر إبراهيم عقب واقعة النار إلى الشام كما نص الله على ذلك في القرآن، ثم بعد مدة من مهاجره دخل مصر واتفق له فيها مع الجبار ما اتفق بسبب سارة وأخدمه هاجر ثم رجع إلى الشام ثم أمره الله أن ينقلها وولدها إسماعيل إلى مكة فنقلهما ودعا فقال:) ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع (إلى قوله:) ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (فاستغفر لوالديه وذلك بعد هلاك عمه بمدة طويلة فيستنبط من هذا أن الذكر في القرآن بالكفر والتبري من الاستغفار له هو عمه لا أبوه الحقيقي فلله الحمد على ما ألهم.
روى ابن سعد في الطبقات عن الكلبي قال: هاجر إبراهيم من بابل إلى الشام وهو يومئذ ابن سبع وثلاثين سنة فأتى حران فأقام بها زماناً، ثم أتى الأردن فأقام بها زماناً، ثم خرج إلى مصر فأقام بها زماناً، ثم خرج إلى الشام فنزل السبع أرضاً بين إيلياء وفلسطين، ثم أن بعض أهل البلد آذوه فتحول من عندهم فنزل منزلاً بين الرملة وإيلياء، وروى ابن