كتاب الحاوي للفتاوي ـ العلمية (اسم الجزء: 2)

"""""" صفحة رقم 219 """"""
هذا مما فضله الله به وأكرمه ، قال : وليس إحياؤهما وإيمانهما به يمتنع عقلاً ولا شرعاً فقد ورد في القرآن إحياء قتيل بني إسرائيل وإخباره بقاتله وكان عيسى عليه السلام [ يحيي الموتى وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلّم ] أحيا الله على يديه جماعة من الموتى قال : وإذا ثبت هذا فما يمتنع من إيمانهما بعد إحيائهما زيادة كرامة في فضيلته ، وقال الحافظ فتح الدين بن سيد الناس في سيرته بعد ذكر قصة الإحياء : والأحاديث الواردة في التعذيب ، وذكر بعض أهل العلم في الجمع بين هذه الروايات ما حاصله أن النبي صلى الله عليه وسلّم لم يزل راقياً في المقامات السنية صاعداً في الدرجات العلية إلى أن قبض الله روحه الطاهرة إليه وأزلفه بما خصه به لديه من الكرامة حين القدوم عليه ، فمن الجائز أن تكون هذه درجة حصلت له صلى الله عليه وسلّم بعد أن لم تكن وأن يكون الإحياء والإيمان متأخراً عن تلك الأحاديث فلا تعارض انتهى ، وقد أشار إلى ذلك بعض العلماء فقال بعد إيراده خبر حليمة وما أسداه صلى الله عليه وسلّم إليها حين قدومها عليه :
هذا جزاء الأم عن إرضاعه
لكن جزاء الله عنه عظيم
وكذاك أرجو أن يكون لأمه
عن ذاك آمنة يد ونعيم
ويكون أحياها الإله وآمنت
بمحمد فحديثها معلوم
فلربما سعدت به أيضاً كما
سعدت به بعد الشقاء حليم
وقال الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي في كتابه المسمى مورد الصادي في مولد الهادي بعد إيراد الحديث المذكور منشداً لنفسه :
حبا الله النبي مزيد فضل
على فضل وكان به رؤوفا
فأحيا أمه وكذا أبوه
لإيمان به فضلاً لطيفا
فسلم فالقديم بذا قدير
وإن كان الحديث به ضعيفا
خاتمة : وجمع من العلماء لم تقو عندهم هذه المسالك فأبقوا حديثي مسلم. ونحوهما على ظاهرهما من غير عدول عنها بدعوى نسخ ولا غيره ومع ذلك قالوا : لا يجوز لأحد أن يذكر ذلك ، قال السهيلي في الروض الأنف بعد إيراده حديث مسلم : وليس لنا نحن أن نقول ذلك في أبويه صلى الله عليه وسلّم لقوله : ( لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات ) وقال تعالى : ) إن الذين يؤذون الله ورسوله ( الآية ، وسئل القاضي أبو بكر بن العربي أحد أئمة المالكية عن رجل قال : إن أبا النبي صلى الله عليه وسلّم في النار فأجاب بأن من قال ذلك فهو ملعون لقوله تعالى : ) إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ( قال : ولا أذى أعظم من أن يقال عن أبيه أنه في النار ، ومن العلماء من ذهب إلى قول خامس وهو الوقف قال الشيخ تاج الدين الفاكهاني في كتابه الفجر المنير : الله أعلم بحال أبويه ، وقال الباجي في شرح الموطأ : قال بعض العلماء : إنه لا يجوز أن يؤذى النبي صلى الله عليه وسلّم بفعل مباح ولا غيره ، وأما غيره من الناس فيجوز أن يؤذى بمباح وليس لنا المنع منه ولا يأثم فاعل المباح وان وصل بذلك أذى إلى غيره ، قال : ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلّم : ( إذا أراد علي بن أبي طالب أن

الصفحة 219