كتاب الحاوي للفتاوي ـ العلمية (اسم الجزء: 2)

"""""" صفحة رقم 244 """"""
وانقطع سلامهم عليه ثم ترك الكي فعاد سلامهم عليه، قال وقوله في الحديث الثاني: فإن عشت فاكتم عني أراد به الإخبار بالسلام عليه لأنه كره أن يشاع عنه ذلك في حياته لما فيه من التعرض للفتنة بخلاف ما بعد الموت، وقال القرطبي في شرح مسلم: يعني أن الملائكة كانت تسلم عليه إكراماً له واحترماً إلى أن اكتوى فتركت السلام عليه، ففيه إثبات كرامات الأولياء انتهى.
وأخرج الحاكم في المستدرك وصححه من طريق مطرف بن عبد الله عن عمران بن حصين قال: اعلم يا مطرف أنه كانت تسلم الملائكة عند رأسي وعند البيت وعند باب الحجرة فلما اكتويت ذهب ذاك قال: فلما برأ كلمه قال: اعلم يا مطرف أنه عاد إلي الذي كنت أكتم عليّ حتى أموت. فانظر كيف حجب عمران عن سماع تسليم الملائكة لكونه اكتوى مع شدة الضرورة الداعية إلى ذلك لأن الكي خلاف السنة، قال البيهقي في شعب الإيمان: لو كان النهي عن الكي على طريق التحريم لم يكتو عمران مع علمه بالنهي غير أنه ركب المكروه ففارقه ملك كان يسلم عليه فحزن على ذلك وقال هذا القول، ثم قد روي أنه عاد إليه قبل موته انتهى.
وقال ابن الأثير في النهاية: يعني أن الملائكة كانت تسلم عليه فلما اكتوى بسبب مرضه تركوا السلام عليه لأن الكي يقدح في التوكل والتسليم إلى الله والصبر على ما يبتلى به العبد وطلب الشفاء من عنده، وليس ذلك قادحاً في جواز الكي، ولكنه قادح في التوكيل وهي درجة عالية وراء مباشرة الأسباب، وأخرج ابن سعد في الطبقات عن قتادة أن الملائكة كانت تصافح عمران بن حصين حتى اكتوى فتنحث عنه، وأخرج أبو نعيم في دلائل النبوة عن يحيى بن سعيد القطان قال: ما قدم علينا البصرة من الصحابة أفضل من عمران بن حصين أتت عليه ثلاثون سنة تسلم عليه الملائكة من جوانب بيته.
وأخرج الترمذي في تاريخه، وأبو نعيم، والبيهقي في دلائل النبوة عن غزالة قالت: كان عمران بن حصين يأمرنا أن نكنس الدار ونسمع السلام عليكم السلام عليكم ولا نرى أحداً، قال الترمذي: هذا تسليم الملائكة، وقال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في كتاب المنقذ من الضلال: ثم أنني لما فرغت من العلوم أقبلت بهمتي على طريق الصوفية والقدر الذي أذكره لينتفع به ابني علمت يقيناً أن الصوفيه هم السالكون لطريق الله خاصة، وأن سيرهم وسيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا شيئاً من سيرهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه لم يجدوا إليه سبيلاً، فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظواهرهم وبواطنهم مقتبسة [من نور مشكاة النبوة] وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به إلى أن قال: حتى أنهم وهو في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتاً ويقتبسون منهم فوائد ثم يترقى الحال من مشاهدة

الصفحة 244