كتاب شرح المفصل لابن يعيش (اسم الجزء: 2)

مضافٌ إلى الفعل. فأمّا قولُ سيبويه (¬1) في باب الإضافة إلى الفعل (¬2) ومما أضيف إلى الفعل قولهم: "مُذْ كان كذا"؛ فليس يريد أن "مذ" مضافة إلى الفعل، وإنّما المرادُ أنّ المضاف إلى الفعل الزمنُ المحذوفُ. والذي يقع بعد "مُذْ" خبرْ للمبتدأ، وذلك أنّك إذا قلت: "ما رأيتُه مد كان كذا وكذا"، فتقديرُه: مذ زمنُ كان كذا وكذا، فحُذف الزمن، وأُقيم الفعل مُقامَه. فالفعلُ في موضع خبرِ المبتدأ، ولا يجوز أن تكون "مُذْ" نفسُها مضافة، لأنّه كان يلزم، لو أضفتَها إلى الفعل، أن تكون ظرفًا، و"مُذْ" لا تُستعمل إلا مبتدأة، ولذلك منعوا جوازَ الإخبار عنها.
وأما قوله [من الكامل]:
... ولَاتَ هَنَّاَ حنَّتِ
فالشاهد فيه أنَّه أضاف "هَنَّا" إلى "حنت". و"هَنَّا" أصلُها المكان، وفيها ثلاثُ لغات: "هَنَّا"، و"هِنَّا"، و"هُنَّا"، وقد أُجْرِيَت مُجرَى الزمان مَجازًا، قال الأعشَى [من الخفيف]:
384 - لاتَ هَنا ذِكْرَى جُبَيْرةَ أو مَن ... جاءَ منها بطائفِ الأهوالِ
أي: ليس هذا أَوانَ ذِكْرَى جبيرةَ، وهي امرأةٌ، وكذلك قوله [من الرجز]:
حَنَّتْ نَوارُ ولَاتَ هَنَّا حَنَّتِ
¬__________
(¬1) انظر: الكتاب 3/ 117 - 119.
(¬2) اسم الباب في الكتاب "هذا باب ما يُضاف إلى الأفعال من الأسماء". ولم أجد في الكتاب عبارة "مذكان كذا". وفيه " مذ جاءني"، ولعل الشارح استند إلى نسخة من الكتاب غير النسخة التي حقّقها عبد السلام هارون.
384 - التخريج: البيت للأعشى في ديوانه ص 53؛ وخزانة الأدب 4/ 196، 198؛ والخصائص 2/ 474؛ والدرر 2/ 118؛ وشرح التصريح 1/ 200؛ ولسان العرب 15/ 484 (هنا)؛ والمحتسب 2/ 39؛ والمقاصد النحوية 2/ 106، 4/ 198؛ وبلا نسبة في الإنصاف 1/ 289؛ ورصف المباني ص170؛ ولسان العرب 1/ 184، 185 (هنأ)؛ والمقرب 1/ 126.
اللغة: هنّا: اسم إشارة للبعيد. جبيرة: اسم امرأة. الطائف: المتجوّل ليلًا. الأهوال: ج الهول، وهو الأمر المخيف.
المعنى: يقول: ليس هذا المكان مكان تذكر جبيرة، أو تذكّر خيالها الذي يبعث الخوف والرعب.
الإعراب: "لات": حرف نفي. "هنا": ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر "لات". "ذكرى": اسم "لات" مزخر مرفوع بالضمة المقدرة، وهو مضاف. "جبيرة": مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف للعلمية والتأنيث. "أو": حرف عطف. "من": اسم موصول معطوف على "جبيرة". "جاء": فعل ماضٍ، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو. "منها": جار ومجرور متعلقان بـ "جاء". "بطائف": جار ومجرور متعلقان بـ "جاء"، وهو مضاف. "الأهوال": مضاف إليه مجرور.
وجملة: "لات هنّا ... ": ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب. وجملة "جاء": صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "لات هنا" حيث أجرى "هنّا" مُجْرى الزمان مجازًا.

الصفحة 182