واعلمْ أنّ المضمراتِ كلَّها لك أن تُبدِل منها إلَّا ضميرَ المتكلَّم والمخاطب، فلا يحسن البدلُ من كلِّ واحد منهما عند أكثرِ النحويين، لو قلت: "مررتُ بك زيدٍ"، أو "مررتَ بي زيدٍ" أو"بي المِسكينِ"، كان الأمرُ لم يجز شيءٌ من ذلك؛ لأنّ الغرض من البدل البيانُ، وضميرُ المخاطب والمتكلّم في غايةِ الوضوح، فلم يحتج إلى بيان. وقد أجاز ذلك أبو الحسن الأخفشُ، واحتجّ بقوله تعالى: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} (¬1)، فقولُه "الذين خسروا أنفسهم" عنده بدلٌ من الكاف والميمِ، وهو ضميرُ المخاطبين. ولا دليلَ قاطعَ في ذلك, لأنّه يحتمِل أن يكون "الذين خسروا أنفسهم" مبتدأً مستأنَفًا, وخبرُه "فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ"، وقد أجمعوا في جوازِ ذلك في بدل الاشتمال، نحوِ قول الشاعر [من الوافر]:
ذَرِينِي إنّ أمْرَكِ لن يُطاعا ... وما ألْفَيْتِنِي حِلْمِي مُضاعا (¬2)
وربّما جاء أيضًا في بدل البعض، نحوِ قوله [من الرجز]:
432 - أوْعَدَنِي بالسِّجن والأداهِمِ ... رِجلِي فرِجلِي شَثْنَةُ المَناسِمِ
¬__________
(¬1) الأنعام: 12.
(¬2) تقدم بالرقم 426.
432 - التخريج: الرجز للعديل بن الفرخ في خزانة الأدب 5/ 188، 189، 190؛ والدرر 6/ 62؛ والمقاصد النحويَّة 4/ 190؛ وبلا نسبة في إصلاح المنطق ص 226، 294؛ وشرح أبيات سيبويه 1/ 124؛ وشرح الأشموني 2/ 439؛ وشرح التصريح 2/ 160؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 21؛ وشرح ابن عقيل ص 510؛ ولسان العرب 3/ 463 (وعد)، 12/ 210 (وهم)؛ ومجالس ثعلب ص 274؛ وهمع الهوامع 2/ 127.
اللغة: أوعدني: هدّدني. الأداهم: ج الأدهم، وهو القيد. الشثنة: الغليظة. المناسم: ج المنسم، وهو خفّ البعير.
المعنى: هدّدني بالسجن والقيود، ولكن رجليّ قويتان تشبهان خفّ البعير (أي أنهما قادرتان على تحمّل المكروه).
الإعراب: "أوعدني": فعل ماضٍ والفاعل: هو، والنون: للوقاية، والياء: في محل نصب مفعول به. "بالسجن": جار ومجرور متعلّقان بـ "أوعدني". "والأداهم": الواو: حرف عطف، "الأداهم": معطوف على السجن. "رجلي": بدل من "ياء" المتكلّم في "أوعدني"، وهو مضاف، والياء: ضمير في محل جرّ بالإضافة. "فرجلي": الفاء: حرف استئناف، "رجلي": مبتدأ مرفوع بالضمة المقدّرة على ما قبل الياء، وهو مضاف، والياء: ضمير في محلّ جرّ بالإضافة. "شثنة": خبر المبتدأ مرفوع، وهو مضاف. "المناسم": مضاف إليه مجرور.
وجملة (أوعدني) الفعليّة: لا محلّ لها من الإعراب لأنها ابتدائيّة. وجملة (رجلي شثنة المناسم) الاسميّة: لا محل لها من الإعراب لأنَّها استئنافية.
والشاهد فيه قوله: "أوعدني ... رجلي" حيث أبدل الاسم الظاهر "رجلي" من ضمير المتكلم، وهو الياء في "أوعدني" بدل بعض من كلّ.