كتاب تنقيح التحقيق - العلمية (اسم الجزء: 2)


ولا اعتمر بعد الحج لا هو ، ولا أحد من أصحابه إلا عائشة رضي الله عنها ؛ لأجل عمرتها التي حاضت فيها ، مع أنه قد صح أنه اعتمر أربع عمر كما تقدم ، إحداهن في حجة الوداع ، ولا تحلل النبي من إحرامه كما يظنه بعض أصحاب أحمد ، ومذهبهم أن المحصر لا قضاء عليه ، وهذا أصح من قول الكوفيين ؛ فإن النبي وأصحابه صدوا عن العمرة عام الحديبية ، ثم إنه من العام القابل اعتمر النبي بطائفة معه ، لم يعتمروا ، وجميع أهل الحديبية وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة ، وهم الذين بايعوا تحت الشجرة ومنهم من مات قبل عمرة القضاء .
ومذهبهم أنه لا يستحب ، بل يكره لأحد أن يحرم قبل الميقات المكاني .
والكوفيون يستحبون الإحرام قبله .
وقول أهل المدينة هو الموافق لسنة رسول الله ، وسنة خلفائه الراشدين .
فإنه اعتمر قبل حجة الوداع عمرة الحديبية ، وعمرة القضاء ، وكلاهما أحرم فيهما من ذي الحليفة .
واعتمر عام حنين من الجعرانة ، ثم حجة الوداع أحرم فيها من ذي الحليفة ، ولم يحرم من المدينة قط .
وما يكن رسول الله ليداوم على ترك الأفضل ، وخلفاؤه كعمر ، وعثمان ، نهوا عمن أحرم قبل الميقات .
وقد سئل مالك عمن أحرم من قبل الميقات فقال : أخاف عليه الفتنة ، قال الله تعالى : ( ^ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) .
فقال السائل : وأي فتنة في ذي ، إنما هي زيادة أعمال في طاعة الله ، فقال مالك : وأي فتنة أعظم من أن تظن أنك خصصت بفعل لم يفعله رسول الله .
وكان يقول رضي الله عنه : لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها .
وكان يقول : أو كلما جاء رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد .
هذا وقد ذكرنا في هذا الباب ما فيه كفاية ولله الحمد والمنة .
____________________

الصفحة 423