أي: مع بني أبيكم، فلما حذف "مع" وأقام الواو مقامها أفضى الفعل الذي قبل الواو إلى الاسم الذي بعدها. فنصبه بواسطة الواو، وذلك أن الواو قوته، فأوصلته إليه، وقد استقصيت هذا الفصل في حرف الباء من كتابنا هذا.
وأما الواو التي للحال فنحو قولك: مررت بزيد وعلى يده بازٍ، أي: مررت به وهذه حاله، ولقيت محمدًا وأبوه يتلو، أي: لقيته وهذه حاله. ولا يقع بعد هذه الواو إلا جملة مركبة من مبتدأ وخبر، لو قلت: كلمت محمدًا وقام أخوه، وأنت تريد معنى الحال لم يجز إلا أن تريد معنى "قد" فكأنك قلت: كلمت محمدًا وقد قام أخوه، وذلك أن "قد" تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه أو تكاد.
ألا تراهم يقولون: "قد قامت الصلاة" قبل حال قيامها، وإنما جاز ذلك لمكان "قد" وعلى قول الشاعر1:
أُمَّ صَبِيّ قد حَبا أو دارِجِ2
فكأنه قال: أم صبي حابٍ أو دارجٍ.
__________
الشاهد في "كونوا أنتم وبني أبيكم" إذ يطلب ممن يخاطبهم فقط أن يكونوا مع أبناء أبيهم متماسكين متصلين تماسك الكليتين من الطحال، وهذا المعنى يناسبه أن تكون الواو بمعنى "مع" ولو جعلت الواو للعطف لكان مقتضى الكلام أنه يطلب ممن يخاطبهم ومن بني أبيهم أيضًا التماسك والاتصال، وهذا المعنى لا يريده الشاعر بل يريد المعنى الأول، ولذلك ترجح أن تكون "بني أبيكم" منصوبة على أنها مفعول معه.
1 البيت لجندب بن عمرو كما في ديوان الشماخ "ص363" وهو بغير نسبة في معاني القرآن للفراء "1/ 214".
2 حبا: الحبو: أن يمشي على يديه وركبتيه أو إسته. لسان العرب "14/ 161" مادة/ حبا.
والدارج من مشا مشيًا ضعيفًا ودبا. لسان العرب "2/ 266" مادة/ درج.
والشاهد في قوله "قد حبا" فقد تقرب الماضي من الحال حتى تلحق بحكمه أو تكاد. لسان العرب "2/ 266".
إعراب الشاهد: قد: حرف تحقيق وتأكيد.
حبا: فعل ماضٍ مبني على الفتح لعدم اتصاله بشيء وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على صبي. وجملة "قد حبا" في محل جر نعت لـ "صبي".