كتاب تفسير القرطبي (اسم الجزء: 2)

وَسَيَرْجِعُ إِلَى دِينِنَا كُلِّهِ. وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ كُلُّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي النَّازِلَةِ مِنْ غَيْرِ الْيَهُودِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَابْنُ زَيْدٍ" أَلَا الَّذِينَ ظَلَمُوا" بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ عَلَى مَعْنَى اسْتِفْتَاحِ الْكَلَامِ، فَيَكُونُ" الَّذِينَ ظَلَمُوا" ابْتِدَاءٌ، أَوْ عَلَى مَعْنَى الْإِغْرَاءِ، فَيَكُونُ" الَّذِينَ" مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَلا تَخْشَوْهُمْ" يُرِيدُ النَّاسَ" وَاخْشَوْنِي" الْخَشْيَةُ أَصْلُهَا طُمَأْنِينَةٌ فِي الْقَلْبِ تَبْعَثُ عَلَى التَّوَقِّي. وَالْخَوْفُ: فَزَعُ الْقَلْبِ تَخِفُّ لَهُ الْأَعْضَاءُ، وَلِخِفَّةِ الْأَعْضَاءِ بِهِ سُمِّيَ خَوْفًا. وَمَعْنَى الْآيَةِ التَّحْقِيرُ لِكُلِّ مَنْ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْأَمْرُ بِاطِّرَاحِ أَمْرِهِمْ وَمُرَاعَاةِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ" مَعْطُوفٌ عَلَى" لِئَلَّا يَكُونَ" أَيْ وَلِأَنْ أُتِمَّ، قَالَهُ الْأَخْفَشُ. وَقِيلَ: مَقْطُوعٌ «1» فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مُضْمَرٌ، التَّقْدِيرُ: وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ عَرَّفْتُكُمْ قِبْلَتِي، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَإِتْمَامُ النِّعْمَةِ الْهِدَايَةُ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَقِيلَ: دُخُولُ الْجَنَّةِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وَلَمْ تَتِمَّ نِعْمَةُ الله على عبد حتى يدخله الجنة. و" لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" تقدم «2».

[سورة البقرة (2): آية 151]
كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" كَما أَرْسَلْنا" الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، الْمَعْنَى: وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ إِتْمَامًا مِثْلَ مَا أَرْسَلْنَا، قَالَهُ الْفَرَّاءُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ، أَيْ وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فِي بَيَانِ سُنَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَ مَا أَرْسَلْنَا. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ اهْتِدَاءً مِثْلَ مَا أَرْسَلْنَا. وَقِيلَ: هِيَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَالْمَعْنَى: وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ. وَالتَّشْبِيهُ وَاقِعٌ عَلَى أَنَّ النِّعْمَةَ فِي الْقِبْلَةِ كَالنِّعْمَةِ فِي الرِّسَالَةِ، وَأَنَّ الذِّكْرَ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي عِظَمِهِ كَعِظَمِ النِّعْمَةِ. وَقِيلَ: مَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، أي فاذكروني
__________
(1). نص العبارة في البحر المحيط لابي حيان:" وقيل: تتعلق اللام بفعل مؤخر، التقدير: ولأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتي".
(2). يراجع ج 1 ص 160 طبعه ثانية.

الصفحة 170