كتاب تفسير القرطبي (اسم الجزء: 2)

بَيَانُهُ. وَفِي الْكَلَامِ تَقْدِيرُ وَاوِ الْعَطْفِ، أَيْ وَكُتِبَ عَلَيْكُمْ، فَلَمَّا طَالَ الْكَلَامُ أُسْقِطَتِ الْوَاوُ. وَمِثْلُهُ فِي بَعْضِ الْأَقْوَالِ:" لَا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى. الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى" «1» [الليل: 16 - 15] أَيْ وَالَّذِي، فَحُذِفَ. وَقِيلَ: لَمَّا ذُكِرَ أَنَّ لِوَلِيِ الدَّمِ أَنْ يَقْتَصَّ، فَهَذَا الَّذِي أَشْرَفَ عَلَى مَنْ يَقْتَصُّ مِنْهُ وَهُوَ سَبَبُ الْمَوْتِ فَكَأَنَّمَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ، فَهَذَا أَوَانُ الْوَصِيَّةِ، فَالْآيَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِمَا قَبْلَهَا وَمُتَّصِلَةٌ بِهَا فَلِذَلِكَ سَقَطَتْ واو العطف. و" كُتِبَ" مَعْنَاهُ فُرِضَ وَأُثْبِتَ، كَمَا تَقَدَّمَ «2». وَحُضُورُ الْمَوْتِ: أَسْبَابُهُ، وَمَتَى حَضَرَ السَّبَبُ كَنَّتْ بِهِ الْعَرَبُ عَنِ الْمُسَبِّبِ، قَالَ شَاعِرُهُمْ:
يَا أَيُّهَا الرَّاكِبُ الْمُزْجِي مَطِيَّتَهُ ... سَائِلٌ بَنِي أَسَدٍ مَا هَذِهِ الصَّوْتُ «3»
وَقُلْ لَهُمْ بَادِرُوا بِالْعُذْرِ وَالْتَمِسُوا ... قَوْلًا يُبَرِّئُكُمْ إِنِّي أَنَا الْمَوْتُ
وَقَالَ عَنْتَرَةُ:
وَإِنَّ الْمَوْتَ طَوْعُ يَدِي إِذَا مَا ... وَصَلْتُ بَنَانَهَا بِالْهُنْدُوَانِ
وَقَالَ جَرِيرٌ فِي مُهَاجَاةِ الْفَرَزْدَقِ:
أَنَا الْمَوْتُ الَّذِي حُدِّثْتَ عَنْهُ ... فَلَيْسَ لِهَارِبٍ مِنِّي نَجَاءُ
الثَّانِيَةُ- إِنْ قِيلَ: لِمَ قَالَ" كُتِبَ" وَلَمْ يَقُلْ كَتَبْتُ، وَالْوَصِيَّةُ مُؤَنَّثَةٌ؟ قِيلَ لَهُ: إِنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْوَصِيَّةِ الْإِيصَاءَ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ تَخَلَّلَ فَاصِلٌ، فَكَانَ الْفَاصِلُ كَالْعِوَضِ مِنْ تَاءِ التَّأْنِيثِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: حَضَرَ الْقَاضِي الْيَوْمَ امْرَأَةٌ. وَقَدْ حَكَى سِيبَوَيْهِ: قَامَ امْرَأَةٌ. وَلَكِنَّ حُسْنَ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ مَعَ طُولِ الْحَائِلِ. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" إِنْ تَرَكَ خَيْراً"" إِنْ" شَرْطٌ، وَفِي جَوَابِهِ لِأَبِي الْحَسَنِ الْأَخْفَشِ قَوْلَانِ، قَالَ الْأَخْفَشُ: التَّقْدِيرُ فَالْوَصِيَّةُ، ثُمَّ حُذِفَتِ الْفَاءُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
مَنْ يَفْعَلُ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا ... وَالشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلَانِ
وَالْجَوَابُ الْآخَرُ: أَنَّ الْمَاضِيَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَابُهُ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا. فَإِنْ قَدَّرْتَ الْفَاءَ فَالْوَصِيَّةُ رفع بالابتداء، وإن لم تقدر
__________
(1). راجع ج 20 ص 86.
(2). راجع ص 244 من هذا الجزء.
(3). الصوت مذكر، وإنما أنثه ها هنا لأنه أراد به الضوضاء والجلبة، على معنى الصيحة. (عن اللسان).

الصفحة 258