كتاب الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والثلاثة الخلفاء (اسم الجزء: 2)
وكان عمر، رضى الله عنه، يمدهم بالأسواق إلى ما يصيبون، فلما رأى ذلك يزدجرد من أمرهم، وعلم أنهم غير منتهين، وأنه إن أقام لم يتركوه، وشكا إليه عظماء أهل فارس من نزولهم القادسية، وإخرابهم البلاد بالغارات، ورستم كاف عنهم، مقيم بإزائهم، أمر رستم بالشخوص لمناجزتهم، ورأى رستم أن ينزل بينهم وبين العتيق، ثم يطاولهم مع المنازلة، ورأى أن ذلك أمثل ما هم عاملون، حتى يصيبوا من الإحجام حاجتهم وتدور لهم سعود.
وعن سيف «1» عن رجاله، قالوا: وجعلت السرايا تطوف، ورستم بالنجف، والجالينوس بين النجف والسيلحين، وذو الحاجب بين رستم والجالينوس، وقال الناس لسعد: قد ضاق بنا المكان فأقدم، فزجر من كلمه بذلك، وقال: إذا كفيتم الرأى فلا تكلفوا، فإنا لن نقدم إلا على رأى ذوى الرأى، فاسكتوا ما سكتنا عنكم.
وعن أبى عثمان النهدى «2» أن سعدا، رحمه الله، لما نزل رستم النجف بعث الطلائع، وأمرهم أن يصيبوا رجلا ليسأله عن أهل فارس، فأخرج طليحة فى خمسة، وعمرو بن معدى كرب فى خمسة، وذلك صبيحة قدم رستم الجالينوس وذا الحاجب وهم لا يشعرون بفصولهم من النجف، فلم يسيروا إلا فرسخا وبعض آخر حتى رأوا مسالحهم وسرحهم على الصفوف قد ملؤها، فقال بعضهم: ارجعوا إلى أميركم فإنه سرحكم وهو يرى أن القوم بالنجف فأخبروه الخبر، وقال بعضهم: ارجعوا لا ينذر بكم عدوكم. فقال عمر لأصحابه: صدقتم، وقال طليحة لأصحابه: كذبتم، ما بعثتم لتخبروا عن السرح، أو ما بعثتم إلا للخبر، قالوا: فما تريد؟ قال: أريد أن أخالط عسكر القوم أو أهلك، قالوا:
أنت رجل فى نفسك غرر، ولن تفلح بعد قتل عكاشة بن محصن، فارجع معنا، فأبى.
وأتى سعد الخبر برحيل فارس، فبعث قيس بن هبيرة، وأمره على مائة، وعليهم أن لقيهم، فانتهى إليهم وقد افترقوا، وفارقهم طليحة، فرجع بهم قيس فأخبروا سعدا بقرب القوم، ومضى طليحة حتى دخل عسكر رستم، وبات فيه يجوسه وينظر ويتوسم.
فلما أدبر الليل أتى أفضل من توسم فى ناحية العسكر، فإذا فرس لم ير فى خيل القوم مثله، وفسطاط أبيض لم ير مثله، فانتضى سيفه، فقطع مقود الفرس، ثم ضمه إلى مقود فرسه، وحرك فرسه فخرج يعدو به، ونذر به القوم، فتنادوا وركبوا الصعبة والذلول، فخرجوا فى طلبه، فلحقه وقد أصبح فارس من الجند، فلما غشية وبوّأ له الرمح
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 510) .
(2) انظر: الطبرى (3/ 512- 514) .