كتاب الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي (اسم الجزء: 2)

وكيفية الامتحان وغير ذلك مما أدخل الأزهر في صف الكليات العظيمة ذات النظام المعتبر، ورقاها إلى أوج الفلاح، وأجرى بنفسه ذلك النظام، ورقى جرايات التدريس والمتعلمين، وأدخل علوما عصرية للأزهرية لم تكن تدرس فيها من قبل كالتاريخ والجغرافيا وغيرها، وجعل ستمائة جنيها مكافآت الناجحين سنويا، فتقدمت الأزهر والعلوم الإسلامية في أيامه تقدما عظيما بإعانة محمد عبد المذكور، وفي الحقيقة بإعانة الخديوي المتنور عباس حلمي باشا، وفي أيامه أنشئت الكتبخانة العمومية في الأزهر، وبنى الرواق العباسي، وزيد في مرتبات العلماء ومشايخ الأروقة من الأوقاف، ولكن في أيامه حصل حادث الشوام، فانصرف عن الإفتاء والمشيخة سنة 1317، وله من الكتب كتاب في الفقه الحنفي يدرس به في المدارس الأميرية ألفه على النسق المدرسي.
إصلاح القرويين:
بمناسبة تكلمنا على ابتداء إصلاح الأزهر، فلنقل كلمة عن أختها القرويين لما عسى أن يكون لهذا المعهد من التأثير على ارتقاء الفقه أو انحطاطه أثناء القرن الجاري؛ لأنه المعهد الأعظم في إفريقيا الشمالية للعلوم العربية والدينية والآداب الإسلامية، لا سيما بعد سقوط الأندلس، فهو الينبوع النمير لهاته العلوم، والقبس النير للدين الحنيف، ومادة حياة القومية المغربية العربية، وبه قوامها، وقائد رشدها، وشمس نورها، وقد بلغ صيت الرعيل الأكبر من المؤلفين المتخرجين منه أقصى المغارب، ولا تزال تآليفهم سراجا وهاجا في الأقطار الشاسعة، ومعاهدها الجامعة.
إن القرويين لم يزل على حالة القديم، فمع كونه مسجدا دينيا مقدسا هو محل تطوع مفتح الأبواب لإلقاء الدروس الدينية والعربية، وتلقيها من غير أن يكون به نظام، ولا ترتيب لسير دروسه، ولا للموظفين الدينيين المتخرجين منه.

الصفحة 225