كتاب الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي (اسم الجزء: 2)

غوائل الاختصار وتاريخ ابتدائه:
لما ألفت المتقدمون دواوين كبارا كـ"المدونة" و"الموازية" و"الواضحة" وأمثالها، عسر على المتأخرين حفظها لبرودة وقعت في الهمم، فقام أهل القرن الرابع باختصارها، فأول من وقف عليه اختصر "المدونة" فضل بن سلمة الجهني الأندلسي المتوفى سنة 319 وكما اختصرها غيرها كما تقدم لنا في ترجمته، ثم في قريب من زمنه الإمام محمد بن عبد الله بن عيشون الطليطلي له مختصر مشهور، واختصر "المدونة" إلا الكتب المختلطة منها توفي سنة 341 إحدى وأربعين وثلاثمائة كما في "المدارك" ثم محمد بن عبد الملك الخولاني المعروف بالنحوي البلنسي الأصل، وسكن بجانة الأندلس الفقيه النظار له مختصر مشهور على "المدونة" توفي سنة 364 أربع وستين وثلاثمائة ذكره في "المدارك"1 ثم ابن أبي زمنين الذي اختصره "المدونة" في الأندلس كما اختصرها ابن أبي زيد في القيروان، وكانا في عصر متقارب.
فقيل: إن مختصر ابن زمنين أفضل المختصرات، واختصرها أيضا أبو القاسم اللبيدي بعده وغيرهم كما تقدم في تراجم هؤلاء الفقهاء كما اختصروا غيرها وتقدم في ترجمة ابن عبد الحكم أنه ألف مختصرا قبل ذلك، لكن الذي وقع تداوله بين الأعلام من مختصرات "المدونة" هو مختصر ابن أبي زيد السابق، ثم جاء البراذعي وألف "التهذيب" اختصر مختصر ابن أبي زيد، وأتقن تربيته، واشتهر كثيرا حتى صار من اصطلاحهم إطلاق لفظ "المدونة" عليه، ثم جاء أبو عمرو بن الحاجب واختصر تهذيب البراذعي في أواسط السابع، ثم جاء خليل في أواسط الثامن واختصره. وهناك بلغ الاختصار غايته؛ لأن مختصر خليل
__________
1 "4/ 572".

الصفحة 457