كتاب الأموال للقاسم بن سلام - ت: سيد رجب (اسم الجزء: 2)

1346 - (1457) فَكَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَقُولُ: هِيَ النَّخْلَةُ يَهَبُ الرَّجُلُ ثَمْرَتَهَا لِلْمُحْتَاجِ، يُعْرِيهَا إِيَّاهُ، فَيَاتِي الْمُعْرَى وَهُوَ الْمَوْهُوبُ لَهُ إِلَى نَخْلَتِهِ تِلْكَ لِيَجْتَنِيَهَا، فَيَشُقُّ عَلَى الْمُعْرِي وَهُوَ الْوَاهِبُ دُخُولُهُ عَلَيْهِ؛ لِمَكَانِ أَهْلِهِ فِي النَّخْلِ. قَالَ: فَجَاءَتِ الرُّخْصَةُ لِلْوَاهِبِ خَاصَّةً أَنْ يَشْتَرِيَ ثَمَرَةَ تِلْكَ النَّخْلَةِ مِنَ الْمَوْهُوبَةِ لَهُ بِخَرْصِهَا ثَمَرًا. فَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
(1458) وَأَمَّا التَّفْسِيرُ الْآخَرُ فَهُوَ أَنَّ الْعَرَايَا هِيَ النَّخَلَاتُ يَسْتَثْنِيهَا الرَّجُلُ مِنْ حَائِطِهِ إِذَا بَاعَ ثَمْرَتَهُ، فَلَا يُدْخِلُهَا فِي الْبَيْعِ، وَلَكِنَّهُ يُبْقِيهَا لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، فَتِلْكَ الثُّنْيَا لَا تُخْرَصُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَدْ عَفَى لَهُمْ ما يَاكُلُونَ تِلْكَ الْأَيَّامَ، فَهِيَ الْعَرَايَا، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ لِأَنَّهَا أُعْرِيَتْ مِنْ أَنْ تُبَاعَ، أَوْ تُخْرَصَ فِي الصَّدَقَةِ. فَأَرْخَصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ الَّذِينَ لَا وَرِقَ لَهُمْ وَلَا ذَهَبَ، وَهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى التَّمْرِ أَنْ يَبْتَاعُوا بِتَمْرِهِمْ مِنْ ثِمَارِ هَذِهِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا. فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَفُّقًا بِأَهْلِ الْفَاقَةِ الَّذِينَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الرُّطَبِ لِيُشَارِكُوا النَّاسَ فِيهِ، فَيُصِيبُوا مِنْهُ مَعَهُمْ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ أَنْ يَبْتَاعُوا مِنْهُ مَا يَكُونُ لِتِجَارَةٍ، وَلَا لِادِّخَارٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهَذَا التَّاوِيلُ أَصَحُّ فِي الْمَعْنَى عِنْدِي مِنَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ لَهُ شَاهِدَيْنِ فِي الْحَدِيثِ.
1347 - (1459) أَمَّا أَحَدُهُمَا فَشَيْءٌ كَانَ مَالِكٌ يُحَدِّثُهُ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ أَبِي #154# سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا خَمْس أَوْسُقٍ، أَوْ مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: الشَّكُّ مِنْ دَاوُدَ. حَدَّثَنِيهِ ابْنُ بُكَيْرٍ عَنْهُ
(1460) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَأَحْسِبُ أَنَا أَنَّ الْمَحْفُوظَ مِنْهُمَا إِنَّمَا هُوَ مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ؛ لِأَنَّ تَوْقِيتَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ، وَتَرْكَهُ الرُّخْصَةَ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّهُ إِنَّمَا أَذِنَ فِي قَدْرِ مَا لَا يَلْزَمُهُ الْصَدَقَةُ؛ لِأَنَّ سُنَّتَهُ أَنْ لَا صَدَقَةَ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَأَنْ لَا صَدَقَةَ فِي الْعَرَايَا، فَهَذِهِ تِلْكَ بِأَعْيَانِهَا. وَالْحَدِيثُ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَتَقْلِيلُهُ ذَلِكَ يُخْبِرُكَ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرْخَصَ لَهُمْ فِي قَدْرِ مَا يَاكُلُونَ فَقَطْ. فَهَذَا أَحَدُ الشَّاهِدِينَ.

الصفحة 153

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text