كتاب الأموال للقاسم بن سلام - ت: سيد رجب (اسم الجزء: 2)
#239#قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الصَّدَقَةَ كُلُّ مَا يُرَادُ بِهِ مَا عِنْدَ اللَّهِ عُمُومًا، مِنْ غَيْرِ خُصُوصٍ وَلَا تَمْيِيزٍ بَيْنَ فَرْضٍ وَلَا نَافِلَةٍ، وَجَعَلَ الْهَدِيَّةَ سِوَى ذَلِكَ.
(1773) فَهَذَا الَّذِي نَتَّبِعُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ، إِنَّا لَا نُحِبُّ الصَّدَقَةَ لِغَنِيٍّ، وَإِنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا، وَإِنَّمَا هَذَا اخْتِيَارٌ اخْتَارَهُ لَهُ مُنَزِّهًا، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ تَحْرِيمَ الْفَرِيضَةِ، فَإِنِّي لَا آمَنُ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ. وَلِهَذِهِ الْأَخْبَارِ الَّتِي اقْتَصَصْنَاهَا.
(1774) أَرَأَيْتَ رَجُلًا رَبَّ مِئِي أُلُوفٍ، لَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ رَجُلٌ بِدِرْهَمٍ أَوْ رَغِيفٍ، لَا يُرِيدُ إِلَّا نَفْسَ الصَّدَقَةِ الَّتِي يُبْتَغَى بِهَا ثَوَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعَلِمَ بِذَلِكَ الْمُعْطَي، أَكَانَ ذَلِكَ يَطِيبُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟ فَكَذَلِكَ لِلْكَثِيرِ مِنْ إِعْطَاءِ الصَّامِتِ، وَالْعَقَارِ، وَالْحَيَوَانِ وَغَيْرِهَا، إِذَا كَانَ يُرَادُ بِهَا الصَّدَقَةُ، بَلِ الْكَثِيرُ أَوْلَى بِالْكَرَاهَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعْطِي إِنَّمَا قَصَدَ بِالْعَطِيَّةِ قَصْدَ الْهِبَةِ وَالنَّحْلِ بِقَلْبِهِ لِوَلَدِهِ، أَوْ لِأَقْرِبَائِهِ، أَوْ لِمَنْ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْأَجْنَبِيِّينَ، إِلَّا أَنَّهُ أَظْهَرَ الصَّدَقَةَ وَأَعْلَنَهَا لِيُؤَكِّدَهَا بِذَلِكَ لِلْمُعْطَى، وَلِأَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً لَهُ، فَلَا يَجُوزَ فِيهَا مَرْجِعٌ فِي الْحُكْمِ. كَانَ كَذَلِكَ فَهِيَ طَيِّبَةٌ لَهُ إِنْ شَاءَ.
(1775) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَإِذَا اسْتَوَى أَمْرُ الصَّدَقَةِ فِي الْفَرْضِ وَالنَّافِلَةِ فِي مَخْرَجِهِمَا، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ إِعْطَاءُ الْكَثِيرِ مِنَ الزَّكَاةِ، كَمَا يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ مِنَ التَّطَوُّعِ، إِذَا كَانَ الْمُعْطَوْنَ يَوْمَ يُعْطَوْنَهَا لَهَا مَوْضِعًا فِي الْفَاقَةِ وَالْخَلَّةِ، عَلَى مَذْهَبِ الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ فِي أَمْرِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، إِذْ كَانَ مَا أَعْطَاهُمَا أَبُو طَلْحَةَ نَافِلَةً غَيْرَ فَرَضٍ. عَلَى أَنَّا قَدْ وَجَدْنَا التَّوْسِعَةَ فِي الْإِعْطَاءِ مِنَ الزَّكَاةِ نَفْسِهَا.
1561 - (1776) قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنِ الصَّعْقِ بْنِ حَزْنٍ، عَنْ فِيلِ بْنِ عَرَادَةَ، عَنْ جَرَادِ بْنِ شُبَيْطٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مُسْمِنٌ مُخْصِبٌ فِي الْعَيْنِ، #240# فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلَكْتُ وَهَلَكَ عِيَالِي. فَقَالَ عُمَرُ: يَجِيءُ أَحَدُهُمْ يَنِثُّ كَأَنَّهُ حَمِيتٌ، يَقُولُ: هَلَكْتُ وَهَلَكَ عِيَالِي. قَالَ: ثُمَّ قَرُبَ عُمَرُ يُحَدِّثُ عَنْ نَفْسِهِ، فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنَا وَأُخْتًا لِي نَرْعَى عَلَى أَبَوَيْنَا نَاضِحًا لَنا، قَدْ أَلْبَسَتْنَا أُمُّنَا نُقْبَتَهَا، وَزَوَّدَتْنَا مِنَ الْهَبِيدِ يُمَيِّنَتَيْهَا، فَنَخْرُجُ بِنَاضِحِنَا، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَلْقَيْتُ النُّقْبَةَ إِلَى أُخْتِي، وَخَرَجْتُ أَسْعَى عُرْيَانًا، فَنَرْجِعُ إِلَى أُمِّنَا، وَقَدْ جَعَلَتْ لَنَا لَفِيتَةً مِنْ ذَلِكَ الْهَبِيدِ، فَيَا خِصْبَاهُ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ: أَعْطُوهُ رُبَعَةً مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ. قَالَ: فَخَرَجَتْ يَتْبَعُهَا ظِئْرَانِ لَهَا. قَالَ: فَمَا حَسَدْتُ أَحَدًا مَا حَسَدْتُ ذَلِكَ الرَّجُلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ.