في التأكيد من الخفيفة (¬1) ولا يؤكّد بالمخفّفة والمشدّدة إلّا الفعل المستقبل الذي فيه معنى الطّلب كالأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض والقسم والتحضيض (¬2)، وإنّما دخلت النون في هذه المواضع، لأنّها مواضع طلب فتدخل النون تأكيدا لذلك الطلب وحثّا على إيقاعه، ولذلك لم يؤكّد الماضي والحال، لأنّ الماضي وقع، والحال حاصل فلا طلب فيهما لحصولهما، ولا يؤكد النفي إلّا قليلا (¬3) نحو: زيد ما يقومنّ، لخلوّه عن معنى الطلب وإنّما جاز فيه ذلك على قلّته تشبيها له بالنهي، ومنه (¬4):
يحسبه الجاهل ما لم يعلما … شيخا على كرسيّه معمّما
وهذا مشبّه بالنهي، لأنّ يعلم مجزوم مثل النهي، وألف يعلما ألف نون التأكيد، كان يعلمن فوقف عليها بالألف، وأمّا قول جذيمة الأبرش (¬5):
ربّما أوفيت في علم … ترفعن ثوبي شمالات
فهي على التشبيه بالنفي، لأنّ ربّ للتقليل، والتقليل يقارب النفي، وقال
¬__________
(¬1) قال سيبويه، 3/ 509 فإذا جئت بالخفيفة فأنت مؤكد، وإذا جئت بالثقيلة فأنت أشد توكيدا وانظر شرح المفصل، 9/ 37.
(¬2) شرح الوافية، 424 والنقل منه.
(¬3) الكافية، 429.
(¬4) هذا الرجز اختلف حول قائله فقيل: هو لعبد بني عبس وقيل: هو لأبي حيان الفقعسي وقيل: هو للعجاج وليس في ديوانه وقيل: هو لمساور العبسي، انظر خلافهم في خزانة الأدب، 4/ 569 (طبعة بولاق) وقد ورد البيت منسوبا لأبي حيان في شرح الشواهد، 3/ 218 وشرح التصريح، 2/ 205 ورواه العدوي في فتح الجليل، 223 منسوبا للعجاج، وورد من غير نسبة في الكتاب، 3/ 516 ومجالس ثعلب القسم الثاني، 552 وأمالي الزجاجي، 189 وأمالي ابن الشجري، 1/ 384 والنوادر، 13 وشرح المفصل، 9/ 42 وهمع الهوامع، 2/ 78 وشرح الأشموني، 3/ 218.
(¬5) هو جذيمة بن مالك التنوخي ثالث ملوك الدولة التنوخية في العراق يقال له: الأبرش والوضاح لبرص كان فيه، طمع في امتلاك مشارف الشام وأرض الجزيرة فغزاها وقاتل ملكها عمرو بن الظرب فقتله ثم إنّ الزباء ابنته عرضت عليه نفسها زوجة فجاء إليها فقتلته. انظر أخباره في معجم الشعراء للمرزباني 34 وتاريخ ابن خلدون، 2/ 540 والأعلام، 2/ 105 وقد ورد البيت منسوبا له في الكتاب، 3/ 518 وشرح المفصل، 9/ 40 - 41 وشرح الشواهد، 2/ 231 - 3/ 217 وشرح التصريح، 2/ 22 وورد من غير نسبة في المقتضب، 3/ 15 وشرح الكافية، 2/ 403 ومغني اللبيب، 1/ 135 - 137 العلم الجبل، والشّمالات جمع شمال بالفتح: وهي الريح التي تهبّ من هذه النّاحية.