كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 106
حقاً ، ولكن الذي يشهد لي بها حق ، أنتم أرسلتم إليّ يوحنا فشهد لي بالحق ، وأما أنا فلست أطلب شهادة من إنسان ولكني أقول هذا لتخلصوا أنتم ، وأنا على أعظم من شهادة يوحنا لأن الأعمال الت يأعملها تشهد من أجلي أن الرب أرسلني ، والذي أرسلني قد شهد لي ولم تسمعوا قط صوته ولا عرفتموه ولا رأيتموه ، وكلمته لا تثبت فيكم لأنكم لستم تؤمنون بالذي أرسل ، فتشوا الكتب التي تظنون أن تكون لكم بها حياة الأبد فهي تشهد من أجلي ، لست آخذ المجد من الناس أنا أتيت باسم أبي فلم تقبلوني ، وإن أتاكم آخر باسم نفسه قبلتموه ، كيف تقدرون أن تؤمنوا وإنما تقبلون المجد بعضكم ، من بعض ولا تظنون أن المجد من الله تعالى الواحد ، لا تظنوا أني أشكوكم ، إن لكم من يشكوكم : موسى الذي عليه تتوكلون ، فلو كنتم آمنتم بموسى آمنتم بي ، لأن ذلك كتب من أجلي ، وإن كنتم لا تؤمنون بكتب ذلك فيكف تؤمنون بكلامي - انتهى ما وقع الاختيار أخيراً على غثباته هنا ، وفيه من الألفاظ المنكرة في شرعنا إطلاق الأب والابن ، وقد تقدم التنبيه على مثل ذلك .
ولما أتاهم سبحانه وتعالى من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام بالفصل في البيان الذي ليس بعده إلا العناد ، فبين أولاً ما تفضل فيه عيسى عليه الصلاة والسلام من أطوار الخلق الموجبة للحاجة المنافية للإلهية ، ثم فضح بتمثيله بآدم عليه الصلاة والسلام شبهتَهم ، ألزمهم عل تقديره بالفيصل الأعظم للمعاند الموجب للعذاب المستأصل أهل الفساد فقال سبحانه وتعالى : ( فمن ) أي فتسبب عما آتيناك به من الحق في أمره أنا نقول لك : من ) حآجك فيه ) أي خاصمك بإيراد حجة ، أي كلام يجعله في عداد ما يقصد .
ولما كان الملوم إنما هو من بلغته هذه الآيات وعرف معناها دون من حاج في الزمان الذي هو بعد نزولها دون اطلاعه عليها قال : ( من ) أي متبدئاً المجاجة من ، ويجوز أن يكون الإتيان بمن لئلا يفهم أن المباهلة تختص بمن استغرق زمان البعد وبالمجادلة ) بعدما جآءك من العلم ) أي الذي أنزلنان إليك وقصصناه عليك في أمره ) فقل تعالوا ) أي اقبلوا أيها المجادلون إلى أمرنعرف فيه علو المحق وسفول المطبل ) ندع أبنآءنا وأبناءكم ) أي الذي هم أعز ما عند الإنسان لكونهم بعضه ) ونساءنا ونساءكم ) أي اللاتي هن أولى ما يدافع عنه أولو الهمم العوالي ) وأنفسنا وأنفسكم ( فقدم ما يدافع عنه ذوو الأحساب ويفدونه بنفوسهم ، وقدم منه الأعز الألصق بالأكياد وختم بالمدافع ، وهذا الترتيب على سبيل الترقي إذا اعتبرت أنه قدم الفرع ثم الأصل وبدأ بالأدنى وختم بالأعلى ، وفائدة الجمع الإشارة إلى القطع بالوثوق بالكون على الحق .
ثم ذكر ما له هذا الجمع مشيراً بحرف التراخي إلى خطر الأمر وأنه مما ينبغي

الصفحة 106