كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 111
تبكيتاً آخر فقال منبهاً لهم مكرراً النبيه إشارة إلى طول رقادهم أو شدة عنادهم : ( هاأنتم هؤلاء ) أي الأشخاص الحمقى ، ثم بين ذلك بقوله : ( حاججتم ) أي قصدتم مغالبة من يقصد الرد عليكم ) فيما لكم به علم ) أي نوع من العلم من أمر موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام لذكر كل منهما في كتابكم وإن كان جدالكم فيهما على خلاف ما تعلمون من أ ؛ والهما عناداً أو طغياناً ) فلم تحاجون ) أي تغالبون بما تزعمون أنه حجة ، وهو لا يستحق أن يسمى شبهة فضلاً عن أن يكون حجة ) فيما ليس لكم به علم ( اصلاً ، لكونه لا ذكر له في كتابكم بما حاججتم فيه مع مخالفته لصريح العقل ) والله ) أي المحيط بكل شيء ) يعلم ) أي وأنتم تعلمون أن مجادلتكم في الحقيقة إنما هي مع الله سبحانه وتعالى ، وتعلمون أن علمه محيط بجميع ما جادلتم فيه ) وأنتم ) أي وتعلمون أنكم أنتم ) لا تعلمون ) أي ليس لكم علم أصلاً إلا ما علمكم الله سبحانه وتعالى ، هذا على تقدير كون ( ها ) في ( ها أنتم ) للتنبيه ، ونقل شيخنا ابن الجزري في كتابه ( النشر في القراءات العشر ) عن أبي عمرو بن العلاء وعن أبي الحسن الأخفش أنها بدل من همزة ، وروي عن أبي حمدون عن اليزيدي أن أبا عمرو قال : وإنما هي ) أأنتم ( ممدودة ، فجعلوا الهمزة هاء ، والعرب تفعل هذا ، فعلى هذا التقيدر يكون استفهاماً معناه التعجيب منهم والتوبيخ لهم .
ولما وبخهم على ذلك من جهلهم نفيى سبحانه وتعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ما ادعاه عليه كل منهم طبق ما برهنت عليه الآية الأولى ، ونفى عنه كل شرك أيضاً ، وأثبت أنه كان مائلاً عن كل باطل منقاداً مع الدليل إلى كل حق بقوله سبحانه وتعالى : ( ما كان إبراهيم يهودياً ) أي كما ادعى اليهود ) ولا نصرانياً ( كما ادعى النصارى - لما تقدم من الدليل ) ولكن كان حنيفاً مسلماً ( وقد بين معنى الحنيف عند قوله تعالى :
77 ( ) قل بل ملة إبراهيم حنيفاً ( ) 7
[ البقرة : 135 ] بما يصدق على المسلم ، وقال الإمام العارف ولي الدين الملوي في كتابه حصن النفوس في السؤال في القبر : واليهودي أصله من آمن بموسى عليه الصلاة والسلام والتزم أحكام التوراة ، والنصراني من آمن بعيسى عليه الصلاة والسلام والتزم أحكام الإنجيل ، ثم صار اليهودي من كفر بما أنزل بعد موسى عليه الصلاة والسلام ، والنصراني من كفر بما أنزل بعد عيسى عليه الصلاة والسلام ، والحنيف المائل عن كل دين باطل ، والمسلم المطيع لأوامر الله سبحانه وتعالى في أي كتاب أنزلت مع أي رسول أوردت ، وإن شيئت قلت : هو المنقاد لله سبحانه وتعالى وحده بقلبه ولسانه وجميع جوارحه المخلص عمله لله عزّ وجلّ ، قال