كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 113
وقت من الأوقات نوع شعور ، فكيدهم لا يتعداهم فقد جمعوا بين الضلال والجهل ، إما حقيقة لبغضهم وإما لأنهم لما عملوا بغير ما يعلمون عد علمهم جهلاً وعدوا هم بهائم ، فكانت هذه الجملة على غاية التناسب ، لأن أهم شيء في حق من رمى بباطل - إنما غلبة الرامي ليتعاظم بأنه شأنه - بيان إبطاله في دعواه ، ثم تبكيته المتضمن لبراءة المقذوف ، ثم التصريح براءته ، ثم بيان من هو أولى بالكون من حربه ، ثم بيان المراد من تلك الدعوى الكاذبة ليحذر غائلتها السامع .
ولما ختم الكلام فيهم بنفي شعورهم بين تعالى في معرض التبكيت أن نفيهم عنه إنما هو لأنهم معاندون ، لا يعلمون بعلمهم ، بل يعملون بخلافه ، فقال مستأنفاً بما يدل على غاية التبكيت المؤذنة بشديد الغضب : ( ياآهل الكتاب ) أي الذين يدعون أنهم أهل العلم ) لم تكفرون ) أي كفراً تجددونه في كل وقت ) بآيات الله ) أي تسترون ما عندكم من العلم بسبب الآيات التي أنزلت عليكم من الملك المحيط بكل شيء عظمة وعزاً وعلماً ) وأنتم تشهدون ) أي تلعمون علماً هو عندكم في غاية الانكشاف أنها آياته ؛ ثم أتبع ذلك استنئافاً آخر مثل ذلك إلا أن الأول قاصر على ضلالهم وهذا متعد إلى إضلالهم فقال : ( ياآهل الكتاب لم تلبسون الحق ) أي الذي لا مرية فيه ) بالباطل ) أي بأن تؤولوه بغير تأويله ، أو تحملوه على غير محله ) وتكتمون الحق ) أي الذي لا يقبل تأويلاً ، وهو ما تعلمون من البشارة بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) وتوابعها ) وأنتم ) أي والحال أنكم ) تعلمون ) أي من ذوي العلم ، فأنتم تعرفون ذلك قطعاً وأن عذاب الضال المضل عظيم جداً .
ولما ذكر لبسهم دل عليه بقوله عطفاً على ) وت طائفة ( مبيناً لنوع إضلال آخر : ( وقالت طائفة من أهل الكتاب ) أي من يهود المدينة ) آمنوا ) أي اظهروا الإيمان ) بالذي أنزل على الذين آمنوا ( متابعة لهم ) وجه ) أي أول ) النهار ( سمي وجهاً لأنه النصف ، لأن مرادهم التلبيس بظاهر لا باطن له ، ولفظ لا حقيقة له ، في جزء يسير جداً ) واكفروا آخره ) أي ليظنوا أنه لا غرض لكم إلا الحق ، وأنه ما ردكم عن دينهم بعد ابتاعكم له إلا ظهور بطلانه ) لعلهم يرجعون ) أي ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه ن دينه ) ولا تؤمنوا ) أي توقعوا التصديق الحقيقي ) إلا لمن تبع دينكم ( فصوبوا طريقته وصدقوا دينه وعقيدته .
ولما كان هذا عين الضلال أمره سبحانه وتعالى أن يعجب من حالهم منبهاً على ضلالهم بقوله معرضاً عنهم إيذاناً بالغضب : ( قل إن الهدى هدى الله ) أي المختص

الصفحة 113