كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 119
أي مع الله سبحانه وتعالى من دونه ، ثم بين أن كل عبادة كان فيها أدنى شائبة فهي باطلة بقوله على طريق الإنكار تبرئة لعبادة الخلص من مثل ذلك : ( أيأمركم بالكفر ( إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى غني ، لا يقبل إلا ما كان خالصاً لوجهه ) بعد إذ أنتم مسلمون ) أي منقادون لأحكامه ، أو متهيئون للتوحيد على عليّ الفطرة الأولى .
ولما بين سبحانه وتعالى فيما مضى أن التولي عن الرسل كفر ، وذكر كثيراً من الرسل فخص في ذكرهم وعمم ، ذكر قانوناً كلياً لمعرفة الرسول عنه سبحانه وتعالى والتمييز بينه وبين الكاذب فقال عاطفاً على ) إذ أنتم مسلمون ( ) وإذ أخذ الله ) أي الذي له الكمال كله ) ميثاق النبيين ) أي كافة ، والمعنى : ما كان له أن يقول ذلك بعد الإنعام عليكم بالإسلام والإنعام عليه بأخذ الميثاق على الناس - الأنبياء وغيرهم - بأن يؤمنوا به إذا اتهم ، فيكون بذلك الفعل مكفراً لغيره وكافراً بنعمة ربه ، وهذا معنى قوله : ( لما ) أي فقال لهم الله : لما ) آتيتكم ( وقراءة نافع : آتيناكم ، أوفق لسياق الجلالة - قاله الجعبري ) من كتاب وحكمة ) أي أمرتكم بها بشرع من الشرائع ، فأمرتم بذلك من أرسلتم إليه ) ثم جآءكم رسول ) أي من عندي ، ثم وصفه بما يعلم أنه من عنده فقال : ( مصدق لما معكم ) أي من ذلك الكتاب والحكمة ) لتؤمنن به ) أي أنتم وأممكم ) ولتنصرنه ) أي على من يخالفه ، فكأنه قيل : إن هذا الميثاق عظيم ، فقيل : إنّ ، زاد في تأكيده اهتماماً به فقال : ( قال ءأقررتم ) أي يا معشر النبيين ) وأخذتم على ذلكم ) أي العهد المعظم بالإشارة بأداة البعد وميم الجمع ) إصري ) أي عهدي ، سمي بذلك لما فيه من الثقل ، فإنه يشد في نفسه بالتوثيق والتوثق ، ويشتد بعد كونه على النفوس لما لها من النزوع إلى الإطلاق عن عهد التقيد بنوع من القيود ، فكأنه قيل : ما قالوا ؟ فقيل : ( قالوا أقررنا ) أي بذلك ، فقيل : ما قال ؟ فقيل ) قال فاشهدوا ) أي يا أنبياء بعضكم على بعض ، أو يا ملائكة عليهم ) وأنا معكم من الشاهدين فمن ) أي فتسبب عنه أنه من ) تولى ) أي منكم أو من أممكم الذي بلغهم ذلك عن نصرة نبي موصوف بما ذكر .
ولما كان المستحق بغاية الذم إنما هو من اتصل توليه بالموت لم يقرن الظرف بجار فقال : ( من بعد ) أي الميثاق البعيد الرتبة بما فيه من الوثاقة ) فأولئك ) أي البعداء من خصال الخير ) هم الفاسقون ) أي المختصون بالخروج العظيم عن دائرة الحق .
ولما كان المدرك لكل نبي إنما هم أمة النبي الذي قبله ، وكانوا يكذبونه ويخالفونه قال - خاتماً لهذه القصص بعد الشهادة بنفسه المقدسة بما بدأها به في قوله ) شهد الله ( الآية إلى ) إن الدين عند الله الإسلام ( على وجه الإنكار والتهديد عاطفاً على ما دل عليه السياق - : ( أفغير ) أي أتولوا ففسقوا ، فتسبب عن ذلك أنهم غير دين الله ، وأورد بأن

الصفحة 119