كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 122
ولما كان الحائد عن الدليل بعد البيان لا يرجى في الغالب عوده كان الاستبعاد بكيف موضحاً لأن التقدير لأجل التصريح بالمراد : أولئك لا يهديهم الله لظلمهم بوضعهم ثمرة الجهل بنقض عهد الله سبحانه وتعالى المؤكد بواسطة رسله موضع ثمرة العلم ، فعطف على هذا المقدر المعلوم تقديره قوله : ( والله ) أي الذي له الكمال كله ) لا يهدي القوم الظالمين ) أي الغريقين في الظلم لكونه جبلهم على ذلك ، تحذيراً من مطلق الظلم ، ولما علمت بشاعة خيانتهم تشوف السامع إلى معرفة جزائهم فقال : ( أولئك ) أي البعداء البغضاء ) جزاؤهم أن عليهم لعنة الله ) أي الملك الأعظم ، وهي غضبه وطرده ) والملائكة والناس أجمعين ( حتى أنهم هم ليلعنون أنفسهم ، فإن الكافر يطبع على قلبه فيظن أنه على هدى ويصير يلعن الكافر ظاناً أنه ليس بكافر ، وهذا اللعن واقع عليهم حال تلبسهم بالفعل لوضعهم الشيء في غير محله ، فصار كل من له علم يبعدهم لسوء صنيعهم لتبديلهم الحسن بالسيء ، حذراً من فعل مثل ذلك معه ) خالدين فيها ) أي اللعنة دائماً .
ولما كان المقيم في الشدة قد تنقص شدته على طول نفي ذلك بقوله : ( لا يخفف عنهم العذاب ( مفيداً ان عليهم مع مطلق الشدة بالطرد شدائد أخرى بالعقوبة .
ولما كان المعذب على شيء ربما استمهل وقتاً ما ليرجع عن ذلك الشيء أو ليعتذر نفى ذلك بقوله : ( ولا هم ينظرون ( ي يؤخرون للعلم بحالهم باطناً وظاهراً حالاً ومآلاً ، ولإقامة الحجة عليهم من جميع الوجوه ، لم يترك شيء نمها لأن المقيم لها منزه عن العجز والنسيان .
ولما انخلعت القلوب بهذه الكروب نفّس عنها سبحانه وتعالى مشيراً إلى أن فيهم - وإن استبعد رجوعهم - موضعاً للرجاء بقوله : ( إلا الذين تابوا ) أي رجعوا إلى ربهم متذكرين لإحسانه ، ولما كان التائب لم يستغرق زمان ما بعد الإيمان بالكفر ، وكانت التوبة مقبولة ولو قل زمنها أثبت الجار فقال : ( من بعد ذلك ( الارتدار حيث تقبل التوبة ) وأصلحوا ) أي بالاستمرار على ما تقضيه من الثمرات الحسنة ) فإن الله ) أي الذي له الجلال والإكرام يغفر ذنوبهم لأن الله ) غفور ( يمحو الزلات ) رحيم ( بإعطاء المثوبات ، هذه صفة لهم ولكل من تاب من ذنبه .
ولما رغب في التوبة رهب من التواني عنها فقال : ( إن الذين كفروا ) أي بالله وأوامره ، وأسقط الجار لما مضى من قوله ) من بعد إيمانهم ( بذلك .
ولما كان الكفر لفظاعته وقبحه وشناعته جديراً بالنفرة عنه والبعد منه نبه سبحانه وتعالى على ذلك باستبعاد إيقاعه ، فكيف بالتمادي عليه فكيف بالازدياد منه وعبر عن ذلك بأداة التراخي

الصفحة 122