كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 128
هذه الشريعة العظيمة أصلاً ورأساً ، فكيف يصح لهم دعوى أنهم على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع انسلاخهم من معظم شرائعه ثم فسر الهدى بقوله : ( فيه آيات بينات ( وقول : ( مقام إبراهيم ) أي أثر قدمه عليه الصلاة والسلام في الحجر حيث قام لتغسل كنته رأسه الشريف - أعربه أبو حيان بدلاً أو عطف بيان من الموصول الذي هو خبر ) إن ( في قوله : ( للذي ببكة ( فكأنه قيل : إن أول بيت وضع للناس لمقام إبراهيم ، وأعربه غيره بدل بعض من قوله ) آيات ( وهو وحده آيات لعظمه ولتعدد ما فيه من تأثير القدم ، وحفظه إلى هذا الزمان مع كونه منقولاً ، وتذكيره بجميع قضايا إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام .
ولما كان أمن أهله في بلاد النهب والغارات التي ليس بها حاكم يفزع إليه ولا رئيس يعول في ذلك عليه من أدل الآيات قال سبحانه وتعالى : ( ومن دخله ) أي فضلاً عن أهله ) كان آمناً ) أي عريقاً في الأمن ، أو أمنوه بأمان الله ، وتحويل العبارة عن ( وأمن داخله ) لأن هذا أدل على المراد من تمكن الأمن ، وفيه بشارة بدخول الجنة .
ولما أوضح سبحانه وتعالى براءتهم من إبراهيم عليه الصلاة والسلام لمخالفتهم إياه بعد دعواهم بهتاناً أنه على دينهم ، وكانت المخالفة في الواجب أدل قال سبحانه وتعالى : ( ةلله ) أي الملك الذي له الأمر كله ) على الناس ) أي عامة ، فأظهر في موضع الإضمار دلالة على الإحاطة والشمول - كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى عن الأستاذ أبي الحسن الحرالي في
77 ( ) استطعما أهلها ( ) 7
[ الكهف : 77 ] في الكهف ، وذلك لئلا يدعي خصوصة بالعرب أو غيرهم ) حج البيت ) أي زيارته زيارة عظيمة ، وأظهر أيضاً تنصيصاً عليه وتنويهاً بذكره تفخيماً لقدره ، وعبر هنا بالبيت لأنه في الزيارة ، وعادة العرب زيارة معاهد الأحباب وأطلالهم وأماكنهم وحلالهم ، وأعظم ما يعبر به عن الزيارة عندهم الحج ، ثم مَن بالتخفيف بقوله مبدلاً من الناس ، تأكيداً بالإيضاح بعد الإبهام وحملاً على الشكر بالتخفيف بعد التشديد وغير ذلك من البلاغة : ( من استطاع ) أي منهم ) إليه سبيلاً ( فمن حجه كان مؤمناً .
ولما كان من الواضح أن التقدير : ومن لم يحجه مع الاستطاعة كفر بالنعمة إن كان معترفاً بالوجوب ، وبالمروق من الدين إن جحد ، عطف عليه قوله : ( ومن كفر ) أي بالنعمة أو بالدين ) فإن الله ( اي الملك الأعلى ) غني ( ولما كان غناه مطلقاً دل