كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 129
عليه بقوله موضع عنه : ( عن العالمين ) أي طائعهم وعاصيهم ، صامتهم وناطقهم ، رطبهم ويابسهم ، فوضح بهذه الآية وما شاكلها أنهم ليسوا على دنيه كما وضح بما تقدم أنه ليس على دينهم ، فثبتت بذلك براءةته منهم ، والآية من الاحتعباك لأن إثبات فرضه أولاً يدل على كفر من أباه ، وإثبات ) ومن كفر ( ثانياً يدل على إيمانه من حجه .
ولما أتم سبحانه وعز شأنه البراهين وأحكم الدلائل عقلاً وسمعاً ، ولم يبق لمتعنت شبهة ، ولم يبادروا الإذعان ، بل زادوا في الطغيان ، وكادوا أن يوقعوا الضراب والطعان بين أهل الإيمان ، أعرض سبحانه وتعالى عن خطابهم إيذاناً بشديد الغضب ورابع الانتقام فقال سبحانه وتعالى مخاطباً لرسوله الذي يكون قتلهم على يده : ( قل ( وأثبت أداة دالة على بعدهم عن الحضرة القدسية فقالك ) ايا أهل الكتاب ) أي من الفريقين ) لم تكفرون ) أي توقعون الكفر ) بآيات الله ) أي وهي - لكونه الحائز بجميع الكمال - البينات نقلاً وعقلاً الدالة على أنكم على الباطل لما وضح من أنكم على غير ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام .
ولما كان كفرهم ظاهراً ذكر شهادته تعالى فقال مهدداً ) والله ) أي والحال أن الله الذي هو محيط بكل شيء قدرة وعلماً فلا إله غيره وقد أشركتم به ) شهيد على ( كل ) ما تعملون ) أي لكونه يعلم سبحانه السر وأخفى وإن حرفتم وأسررتم .
ثم استأنف إيذاناً بالاستقلال تقريعاً آخر لزيادتهم على الكفر التكفير فقال : ( قل يا آهل الكتاب ) أي المدعين للعلم واتباع الوحي ، كرر هذا الوصف لأنه مع أنه أبعد في التقريع أقرب إلى التطلف في صرفهم عن ضلالهم ) لم تصدون ) أي بعد كفركم ) عن سبيل الله ) أي الملك الذي له القهر والعز والعظمة والاختصاص بجميع صفات الكمل ، وسبيله دينه الذي جاء به نبيه محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، وقدمه اهتماماً به .
ثم ذكر المفعول فقال : ( من أمن ( حال كونكم ) تبغونها ) أي السبيل ) عوجاً ) أي بليكم ألسنتكم وافترائكم على الله ، ولم يفعل سبحانه وتعالى إذ أعرض عنهم في هذه الآية ما فعل من قبل إذ أقبل عليهم بلذيذ خطابه تعالى جده وتعاظم مجده إذ قال :
77 ( ) يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم ( ) 7
[ آل عمران : 65 ]
77 ( ) ياأهل الكتاب لم تكفرون ( ) 7
[ آل عمران : 70 ] والآية التي بعدها بغير واسطة .
وقال أبو البقاء في إعرابه : إن تبغون يجوز أن يكون مستأنفاً وأن يكون حالاً من الضمير في تصدون أو من السبيل ، لأن فيها ضميرين راجعين إليها ، فلذلك يصح أن يجعل حالاً من كل واحد منهما ، وعوجاً حال - انتهى .
وقال صاحب القاموس في