كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 130
بنات الواو : بغا الشيء بغواً : نظر إليه كيف هو ، وقال في بنات الياء : بغيته أبغيه : طلبته ، فالظاهر أن جعل عوجاً حالاً - كما قال أبو البقاء - اصوب من جعله مفعولاً - كما قال في الكشاف .
ويكون تبغون إما يائياً فيكون معناه : تريدونها معوجة أو ذات عوج ، فإن طلب بمعنى : أراد ؛ وإما أن يكون واوياً بمعنى : ترونها ذات عوج ، أي تجعلونها في نظركم يعني : تتكلفون وصفها بالعوج مع علمكم باستقامتها ، لكن قوله ( صلى الله عليه وسلم ) في الصحيح ( ابغني أحجاراً أستنفض بهن ) يؤيد قول صاحب الكشاف .
ولما ذكر صدهم وإرادتهم العود الذي لا يرضاه ذو عقل قال موبخاً : ( وأنتم شهداء ) أي باستقامتها بشهادتكم باستقامة دين إبراهيم مع قيام أدلة السمع والعقل أنها دينه وأن النبي والمؤمنين أولى الناس به لانقيادهم للأدلة .
ولما كان الشهيد قد يغفل ، وكانوا يخفون مكرهم في صدهم ، هددهم بإحاطة علمه فقال : ( وما الله ) أي الذي تقدم أنه شهيدعليكم وله صفات الكمال كلها ) بغافل ) أي أصلاً ) عما تعملون ( ولما تم إيذانه بالسخط على أعدائه وأبلغ في إنذارهم عظيم انتقامه إن داموا على إضلالهم ، أقبل بالبشر على أحبائه ، مواجهاً لهم بلذيذ خطابه وصفي غنائه ، محذراً لهم الاغتراب بالمضلين ، ومنبهاً ومرشداً ومذكرلاً ودالاً على ما ختم به ما قبلها من إحاطة علمه بدقيق مكر اليهود ، فقال سبحانه وتعالى : ( ياأيها الذين آمنوا ) أي بنبينا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) إن تطيعوا فريقاً ( أتى بهذا اللفظ لما كان المحذر منه الافتراق والمقاطعة الذي يأتي عيب أهل الكتاب به ) من الذين أوتوا الكتاب ) أي القاطعين بين الأحباب مثل شأس بن قيس الذي مكر بكم إلى أن أوقع الحرب بينكم ، فلولا النبي الذي رحمكم به ربكم لعدتم إلى شر ما كنتم فيه ) بعد إيمانكم كافرين ) أي غريقين في صفة الكفر ، فيا لها من صفقة ما أخسرها وطريقة ما أجورها .
ولما حذرهم منهم عظم عليهم طاعتهم باإنكار والتعجيب من ذلك مع ما هم عليه بعد اتباع الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) من الأحوال الشريفة فقال - عاطفاً على ما تقديره : فكيف تطيعونهم وأنتم تعلمون عداوتهم : ( وكيف تكفرون ) أي يقع منكم ذلك في وقت من الأوقات على حال من الأحوال ) وأنتم تتلى ) أي تواصل بالقراءة ) عليكم آيات الله ) أي علامات الملك الأعظم البينات ) وفيكم رسوله ( الهادي من الضلالة المنفذ من الجهالة ، فتكونون قد جمعتم إلى موافقة العدو مخالفة الولي وأنتم بعينه وفيكم أمينه بكل شيء علماً وقدرةً في جميع أحواله كائناً من كان .
ولما كان من قصر نفسه على من