كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 131
له الكمال كله متوقعاً للفلاح عبر بأداة التوقع مقرونة بفاء السبب فقال : ( فقد هدى ( وعبر بالمجهول على طريقة كلام القادرين ) إلى صراط مستقيم ( ولما انقضى هذا التحذير من أهل الكتاب والتعجيب والترغيب ، أمر بما يثمر ذلك من رضاه فقال : ( ياأيها الذين آمنوا ) أي ادعوا ذلك بألسنتهم ) اتقوا الله ) أي صدقوا دعواكم بتقوى ذي الجلال والإكرام ) جق تقاته ( فأديموا الانقياد له بدوام مراقبته ولا تقطعوا أمراً دونه ) ولا تموتن ( على حالة من الحالات ) إلا وأنتم مسلمون ) أي منقادون أتم الانقياد ، ونقل عن العارف أبي الحسن الشاذلي أن هذه الآية في اصل الدين وهو التوحيد ، وقوله سبحانه وتعالى :
77 ( ) فاتقوا الله ما استطعتم ( ) 7
[ التغابن : 16 ] في فروعه .
ولما كان عزم الإنسان فاتراً وعقله قاصراً ، دلهم - بعد أن أوقفتهم التقوى - على الأصل لجميع الخيرات المتكفل بالحفظ من جميع الزلات فقال : ( واعتصموا ) أي كلفوا أنفسكم الارتباط الشديد والانضباط العظيم ) بحبل الله ) أي طريق دين الملك الذي لا كفوء له التي نهجها لكم ومهدها ، وأصل الحبل السبب الذي يوصف به إلى البغية والحاجة ، وكل من يمشي على طريق دقيق يخاف أن تزلق رجله عنه إذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن الخوف ، ولا يخفى دقة الصراط بما ورد به النقل الصحيح مثال دقته ، فمن قهر نفسه وحفظها على التمسك به حفظ عن السقوط عما هو مثاله .
ولما أفهم كل من الضمير والحبل والاسم الجامع إحاطة الأمر بالكل أكده بقوله : ( جميعاً ( لا تدعوا أحداً منكم يشذ عنها ، بل كلما عثرتم على أحد فارقها ولو قيد شبر فردوه إليها ولا تناظروه ولا تهملوا أمره ، ولا تغفلو عنه فيختل النظام ، وتتعبوا على الدوام ، بل تزالوا كالرابط ربطاً شديداً حزمة نبل بحبل ، لا يدع واحدة منها تنفرد عن الأخرى ، ثم أكد ذلك بقوله : ( ولا تفرقوا ( ثم ذكرهم نعمة الاجتماع ، لأن ذلك باعث على شكرها ، وهو باعث على إدامة الاعتصام ولاتقوى ، وبدأ منها بالدنيوية لأنها أس الأخروية فقال : ( واذكروا نعمة الله ( الذي له الكمال كله ) عليكم ( يا من اعتصم بعصام الدين ) إذا كنتم أعداء ( متنافرين أشد تنافر ) فألف بين قلوبكم ( بالجمع على هذا الصراط القويم والمنهج العظيم ) فأصبحتم بنعمته إخواناً ( قد نزع ما في قلوبكم من الإحن ، وأزال تلك الفتن والمحن .
ولما ذكر النعمة التي أنقذتهم من هلاك الدنيا ثنى بما تبع ذلك من نعمة الدين التي