كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 133
في كل وقت من الأوقات على البدل ) يدعون ( مجددين لذلك في كل وقت ) إلى الخير ) أي بالجهاد والتعليم والوعظ والتذكير .
ولما عم كل خير خص ليكون المخصوص مأموراً به مرتين دلالة على جبليل أمره وعليّ قدره فقال : ( ويأمرون بالمعروف ) أي من الدين ) وينهون عن المنكر ( فيه بحيث لا يخلو وقت من لالأوقات عن قوم قائمين بذلك ، وهو تنبيه لهم على أن يلازموا ما فعله الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ومن معه من أصحابه رضي الله تعالى عنهم من أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر حين استفزهم الشيطان بمكر شاس بن قيس في التذكير بالأحقاد والأضغان والأنكاد ، وإعلام بأن الذكرى تنفع المؤمنين .
ولما كان هذا السياق مفهماً لأن التقدير : فإنهم ينالون بذلك خيراً كثيراً ، ولهم نعيم مقيم ؛ عطف عليه مرغباً : ( وأولئك ) أي العالون الرتبة العظيمو النفع ) هم المفلحون ( حق الإفلاح ، فبين سبحانه وتعالى أن الاجتماع المأمور به إنما هو بالقلوب الجاعلة لهم كالجسد الواحد ، ولا يضر فيه صرف بعض الأوقات إلى المعاش وتنعيم البدن ببعض المباحات ، وإن كان الأكمل صرف الكل بالنية إلى العبادة .
ولما أمر بذلك أكده بالنهي عما يضاده معرضاً بمن نزلت هذه الآيات فيهم من أهل الكتاب مبكتاً لهم بضلالهم واختلافهم في دينهم على أنبيائهم فقال : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا ( بما ابتدعوه في اصول دينهم وبما ارتكبوه من المعاصي ، فقادهم ذلك ولا بد إلى التخاذل والتواكل والمداهنة التي قصدوا بها المسالمة فجرتهم إلى المصارمة .
ولما كان التفرق ربما كان بالأبدان فقط مع الاتفاق في الآراء بيَّن أن الأمر ليس كذلك فقال : ( واختلفوا ( بما أثمر لهم الحقد الحامل على الاتصاف بحالة من يظن أنهم جميع وقلوبهم شتى .
ولما ذمهم بالاختلاف الذي دل العقل على ذمه زاد في تقبيحه بأنهم خالفوا فيه بعد نهي العقل واضح النقل فيه : ( من ) أي وابتدأ اختلافهم من الزمان الذي هو من ) بعدما جاءهم ( وعظمه بإعرائه عن التأنيث ) البينات ) أي بما يجمعهم ويعليهم ويرفعهم ويوجب اتفاقهم وينفعهم ، فأرداهم ذلك الافتراق وأهلكهم .
ولما كان التقدير : فأولئك قد تعجلوا لاهلاك في الدنيا فهم الخائبون ، عطف عليه قوله : ( وأولئك ) أي البعداء البغضاء ) لهم عذاب عظيم ) أي في الدار الآخرة بعد عذاب الدنيا باختلافهم منابذين لما من شأنه الجمع ، والآية من الاحتباك : إثبات ( المفلحون ) أولاً يدل على ( الخاسرون ) ثانياً ، والعذاب العظيم ثانياً يدل على النعيم المقيم أولاً .