كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 136
فليس من هذه الأمة أصلاً ، لأن الكون المذكور لا يحصل إلا بجميع ما ذكر ، وكرر الاسم الأعظم زيادة في تعظيمهم ، وقد صدق الله ومن أصدق من الله حديثاً قاال الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري في خطبة كتاب الاستيعاب : روى ابن القاسم عن مالك أنه سمعه يقول : لما دخل أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الشام نظر إليهم رجل من أهل الكتاب فقال : ما كان أصحاب عيسى ابن مريم الذين قطعوا بالمناشير وصلبوا على لاخشب بأشد اجتهاداً من هؤلاء - انتهى .
ولما كان من المعلوم أن التقدير : وذلك خير لكم ، عطف عليه قوله : ( ولو آمن أهل الكتاب ) أي أوقعوا الإيمان كا آمنتم بجميع الرسل وجميع ما أنزل عليهم في كتابهم وغيره ، ولم يفرقوا بين شيء من ذلك ) لكان ) أي الإيمان ) خيراً لهم ( إشارة إلى تسفيه أحلامهم في وقوفهم مع ما منعهم عن الإيمان من العرض القليل الفاني والرئاسة التافهة ، وتركهم الغنى الدائم والعز الباهر الثابت .
ولما كان هذا ربما أوهم أنه لم يؤمن منهم أحد قال مستأنفاً : ( منهم المؤمنون ) أي الثابتون في الإيمان ، ولكنهم قليل ) وأكثرهم الفاسقون ) أي الخارجون من رتبة الأوامر والنواهي خروجاً يضمحل معه خروج غيرهم .
ولما كانت مخالفة اكثر قاصمة خفف عن أوليائه بقوله : ( لن يضروكم ( ولما كان الضر - كما تقدم عن الحرالي - إيلام الجسم وما يتبعه من الحواس ، والأذى إيلام النفس وما يتبعها من الأحةوال ، أطلق الضر هنا على جزء معناه وهو مطلق الإيلام ، ثم استثنى منه فقال : ( إلا أذى ( ي بأسلنتهم ، وعبر بذلك لتصويره مفهومي الأذى والضر ليستحضر في الذهن ، فيكون الاستثناء أدل على نفي وصولهم إلى المواجهة ) وإن يقاتلوكم ) أي يوماً من الأيام ) يولوكم ( صرح بضمير المخاطبين نصاً في المطلوب ) الأدبار ) أي انهزاماً ذلاً وجبناً .
ولما كان المولي قد تعود له كرة بعد فرة قال - عادلاً عن حكم الجزاء لئلا يفهم التقييد بالشرط مشيراً بحرف التراخي إلى عظيم رتبة خذلانهم - : ( ثم لا ينصرون ) أي لا يكون لهم ناصر نم غيرهم أبداً وإن طال المدى ، فلا تهتموا بهم ولا بأحد يمالئهم من المنافقين ، وقد صدق الله ومن أصدق من الله قيلاً لم يقاتلوا في موطن إلا كانوا كذلك .