كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 137
ولما أخبر عنهم سبحانه وتعالى بهذا الذل أتبعه الإخبار بأنه في كل زمان وكل مكان معاملة منه لهم بضد ما أرادوا ، فعوضهم عن الحرص على الرئاسة إلزامهم الذلة ، وعن افإخلاد إلى المال إسكانهم المسكنة ، وأخبر أن ذلك لهم طوق الحمامة غير مزائلهم إلى آخر الدهر باقٍ في أعقابهم فبأفعالهم هذه التي لم ينابذهم فيها الأعقاب فقال سبحانه وتعالى مستأنفاً : ( ضربت عليهم الذلة ( وهي الانقياد كرهاً ، وأحاطت بهم كما يحيط البيت المضروب بساكنه ) أين ما ثقفوا ) أي وجدهم من هو حاذق خفيف فطن في كل مكان وعلى كل حال ) إلا ( حال كونهم معتصمين ) بحبل ) أي عهد وثيق مسبب للأمان ، وهو عهد الجزية وما شاكله ) من الله ) أي الحائز لجميع العظمة ) وحبل من الناس ) أي قاطبة : الذي آمنوا وغيرهم ، موافقٍ لذلك الحبل الذي من الله سبحانه وتعالى .
ولما كان الذل ربما كان مع الرضى ولو من وجه قال : ( وبآءه ) أي رجعوا عما كانوا فيه من الحال الصالح ) بغضب من الله ( الملك الأعظم ، ملازم لهم ، ولما كان الوصفان قد يصحبهما اليساء قال : ( وضربت ) أي مع ذلك ) عليهم ) أي كما يضرب البيت ) المسكنة ) أي الفقر ليكونوا بهذه الأوصاف أعرق شيء في الذل ، فكأنه قيل : لم استحقوا ذلك ؟ فقيل : ( ذلك ) أي الإلزام لهم بما ذكر ) بأنهم ) أي أسلافهم الذي رضوا هم فعلهم ) كانوا يكفرون ) أي يجددون الكفر مع الاستمرار ) بآيات الله ( اي الملك الأعظم الذي له الكمال كله ، وذلك أعظم الكفر لمشاهدتهم لها مع اشتمالها من العظم على ما يليق بالاسم الأعظم ) ويقتلون الأنبياء ) أي الآتين من عند الله سبحانه وتعالى حقاً على كثرتهم بما دل عليه جمع التكسير ، فهو أبلغ مما في أولها الأبلغ مما في البقرة ليكون ذمهم على سبيل الترقي كما هي قاعدة لاحكمة .
ولما كانوا معصومين ديناً ودنيا قال : ( بغير حق ) أي يبيح قتلهم ؛ ثم علل إقدامهم على هذا الكفر بقوله : ( ذلك ) أي الكفر والقتل العظيمان ) بما عصوا وكانوا ) أي جبلة وطبعاً ) يعتدون ) أي يجدودن تكليق أنفسهم الاعتداء ، فإن الإقدام على المعاصي والاستهانة بمجاوزة الحدود يهوّن الكفر ، فقال الأصفهاني : قال أرباب المعاملات : من ابتلى بترك الآداب وقع في ترك السنن ، ومن ابتلى بترك السنن وقع في ترك الفرائض ، ومن ابتلى بترك الفرائض وقع في استحقار الشريعة ، ومن ابتلى بذلك وقع في الكفر ، والآية دليل على مؤاخذة الابن الراضي بذنب الأب وإن علا ، وذلك طبق ما رأيته في ترجمة التوراة التي بين أيديهم الآين ، قال في السفر الثاني : وقال الله سبحانه وتعالى جميع هذه الآيات كلها : أنا الرب إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر

الصفحة 137