كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 160
يخفى عليه شيء من أحوالكم ، فهو ناصركم وخاذلكم ، وأما في الآخرة فلأنكم يف مقعد صدق عند مليك مقتدر ، وهم في النار عند ملائكة العذاب الغلاظ الشداد أبداً .
ولما نهاهم عما تقدم وبشرهم سلاهم وبصرهم بقوله : ( إن يمسسكم قرح ) أي مصيبة بإدالتهم عليكم اليوم ) فقد مس القوم ) أي الذين لهم من قوة المحاولة ما قد علمتم ، أي في يوم أحد نفسه وفي يوم بدر ) قرح مثله ) أي في مطلق كونه قرحاً وإن كان أقل من قرحكم في يوم أحد وأكثر منه في يوم بدر ، على أنه ما أنه ظفرهم - بعدما أصابهم وأنكأهم يوم بدر بالزهد الذي ليس بعده وهن - بقتل مثل من قتل منكم وأسر مثلكم ، ويوم أحد بالقتل والهزيمة أول النهار وهم أعداؤه ، فهو جدير بأن يظفركم بعد وهنكم وأنتم أولياؤه ، فكما لم يضعفهم وهنهم وهم على الباطل فلا تضعفوا أنتم وأنتم على الحق ، ترجون منالله ما لا يرجون ، فقد أدلناكم عليهم يوماً وأدلناهم عليكم آخر ) وتلك الأيام ( ولما نبه على على تعظيمها بأداة البعد ، وكانت إنما تعظم بعظم أحوالهما ذكر الحال المنبه عليها بقوله : ( وداولها بين الناس ) أي بأن نرفع من نشاء تارة ونرفع عليه أخرى .
ولما كان التقدير : ليدال على من كانت له الدولة ، فيعلم كل أحد أن الأمر لنا بلا شريك ولا منازع عطف عليه قوله : ( وليعلم الله ) أي المحيط بجميع الكمال ) الذين آمنوا ) أي بتصديق دعوى الإيمان بنية الجهاد فيكرمهم ، ومعنى ) ليعلم ( أنه يفعل فعل من يريد علم ذلك بأن يبرز ما يعلمه غيباً إلى عالم الشهادة ليقيم الحجة على الفاعلين على ما يتعارفه الناس بينهم ) ويتخذ منكم شهداء ) أي بأن يجعل قتلهم عين الحياة التي هي الشهادة ، لا غيبة فيها ، فهو سبحانه وتعالى يزيد في إكرامهم بما صدقوا في إيمانهم بأن لا يكونوا مشهوداً عليهم أصلاً بفتنة في قبورهم ولا غيرها ولا يغفلوا بخوف ولا صعق ولا غيره ، فإن الله يحب المؤمنين ، وليعلم الذين ظلموا ويمحق منهم أهل الجحد والاعتداء ) والله ) أي الملك الأعلى ) لا يحب الظالمين ) أي الذين يخالف فعلهم قولهم ، فهو لا يستشهدهم ، وإنما يجعل قتلهم أول خيبتهم وعذابهم ، وفيه بشارة في ترغيب بأنه لا يفعل مع الكفرة فعل المحب ، لئلا يحزنوا على ما أصابهم ، ونذارة في تأديب بأنهم ما أخذوا إلا بتضييعهم الثغر الذي أمرهم به من التزموا طاعته وأمر الله بها في المنشط والمكره بحفظه ، وأقبلوا على الغنائم قبل أن يفرغوا من العدو ، والآية من الاحتباك : إثبات الاتخاذ أولاً دال على نفيه ثانياً ، وإثبات الكراهة ثانياً دال على المحبة أولاً .
ولما قدم التنفير من الظلم دلالة على الاهتمام به أكمل ثمرات المداولة بقوله :

الصفحة 160