كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 168
قريب ولا بعيد ) والرسول ) أي الذي أرسل إليكم لتجيبوه إلى كل ما يدعوكم إليه وهو الكامل في الرسلية ) يدعوكم في أخراكم ) أي ساقتكم وجماعتكم الأخرى ، وأنتم مدبرون وهو ثابت في مكانه في نحر العدو في نفر يسير لا يبلغون أربعين نفساً على اختلاف الروايات - وثوقاً بما عنده وعد من دونه من ولي وعدو عدماً ؛ وإنما قلت : إن ( إليّ عباد الله أنا رسول الله إليّ عباد الله ) كما هو الائق بمنصبه الشريف من الاعتماد على الله والوثوق بما عنده وعد من دونه من ولي وعدو وعدماً ؛ وإنما قلت : إن معنى ذلك الانهزام ، لأن الدعاء يراد منه الإقبال على الداعي بعد الانصراف عما يريده ليأمر وينهى ، فعلم بذلك أنهم مولون عن المقصود وهو القتال ، وفي التفسير من البخاري عن البراء رضي الله تعالى عنه قال : جعل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) على الرجالة يوم أحد عبد الله بن جبير رضي الله تعالى عنه وأقبلوا منهزمين ، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم ، ولم يبق مع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) غير اثني عشر رجلاً .
ولما تسبب عن العفو ردهم عن الهزيمة إلى القتال قال تعالى : ( فأثابكم ) أي جعل لكم ربكم ثواباً ) غماً ) أي باعتقادكم قتل الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) .
وكان اعتقاداً كاذباً مُلتئم به رعباً ) بغم ( أيكان حصل لكم من القتل والجراح والهزيمة ، وسماه - وإن كان في صورة العقاب - باسم الثواب لأنه كان سبباً للسرور حين تبين أنه خبر كاذب ، وأن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) حتى كأنهم - كما قال بعضهم - لم تصبهم مصيبة ، فهو من الدواء بالداء ، ثم علله بقوله : ( لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ) أي من النصر والغنيمة ) ولا ما أصابكم ) أي من القتل والجراح والهزيمة لاشتغالكم عن ذلك بالسرور بحياة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ولما قص سبحانه وتعالى عليهم ما فعلوه ظاهراً وما قصدوه باطناً وما داواهم به قال - عاطفاً على ما تقديره : فالله سبحانه وتعالى خبير بما يصلح أعمالكم ويبرىء أدواءكم - : ( والله ) أي المحيط علماً وقدرة ) خبير بما تعملون ) أي من خير وشر في هذه الحال وغيرها ، وبما يصلح من جزائه ودوائه ، فتارة يداوي الداء بالداء وتارة بالداواء ، لأنه الفاعل القادر المختار .
ولما كان أمانهم بعد انخلاع قلوبهم بعيداً ، ولا سيما بكونه بالنعاس الذي هو أبعد شيء عن ذلك المقام الوعر والمحل الضنك عطف بأداة البعد في قوله : ( ثم أنزل عليكم ( لوما أفاد بأداة الاستعلاء عظمة الأمن ، وكان متصلاً بالغم ولم يستغرق زمن ما بعده أثبت الجار فقال : ( من بعدهم الغم ) أي المذكور وأنتم في نحر العدو ) أمنة ) أي أمناً عظيماً ، ثم ابدل منها تنبيهاً على ما فيها من الغرابة قوله : ( نعاساً ( دليلاَ قطعياً

الصفحة 168