كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 169
فإنه لا يكون إلا من أمن ؛ روي البخاري في التفسير عن أنس رضي الله عنه أن أبا طلحة رضي الله عنه قال : ( غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد ، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه ) ولما كان لبعضهم فقط استأنف وصفه بقوله : ( يغشى طائفة منكم ( وهم المؤمنون ، وابتدأ الإخبار عن الباقين بقوله : ( وطائفة ) أي أخرى من المنافقين ) قد أهمتهم أنفسهم ( لا المدافعة عن الدين فهم إنما يطلبون خلاصها ، ولا يجدون إلى ذلك فيما يظنون سبيلاً لاتصال رعبهم وشدة جزعهم ، فعوقبوا على ذلك بأنه لم يحصل لهم الأمن المذكور ، ثم فسر همهم فقال : ( يظنون بالله ( المحيط بصفات الكمال ) غير الحق ) أي من أن نصره بعده هذا لا يمكن ، أو أنهم لو قعدوا في المدينة لم يقتل أحد ، ونحو ذلك من سفساف الكلام وفاسد الظنون التي فتحتها لو والأوهام ) ظن الجاهلية ) أي الذين لا يعلمون - من عظمة الله سبحانه وتعالى بأن ما أراده كان ولا يكون غيره - ما يعلم أتباع الرسل .
ثم فسر الظن بقوله : ( يقولون ) أي منكرين لأنه لم يجعل الرأي رايهم ويعمل بمقتضاه غشباً وتاسفاً على خروجهم في هذا الوجه وعدم رجوعهم مع ابن أبيّ بعد أن خرجوا ) هل لنا من الأمر ) أي المسموع ، ولكون الاستفهام بمعنى النفي ثبتت أداة الاستغراق في قوله : ( من شيء ( فكأنه قيل : فماذا يقال لهم ؟ فقيل : ( قل ) أي لهم رداً عليهم احتقاراً بهم ) إن الأمر ) أي الحكم الذي لا يكون سواه ) كله لله ) أي الذي لا كفوء له ، وليس لكم ولا لغيركم منه شيء ، شئتم أو أبيتم ، غزوتم أو قعدتم ، ثبتم أو فررتم .
ولما قص سبحانه وتعالى عليهم بعض أمرهم في هذه الحرب ، وبين لهم شيئاً من فوائد ما فعل بهم بقوله :
77 ( ) إن يمسسكم قرح ( ) 7
[ آل عمران : 140 ] وكان من جملة ذلك ما أظهر من أسرار المنافقين بهذه الوقعة في اتهامهم الله ورسوله ، حتى وصل إلى هنا ، وكان قولهم هذا غير صريح في الاتهام لإمكان حمله على مساق الاستفهام أخبر سبحانه وتعالى بتدليسهم بقوله : ( يخفون ) أي يقولون ذلك مخفين ) في أنفسهم ما لا يبدون لك ( لكونه لا يرضاه اللهز ثم بين ذلك بعد إجماله فقال : ( يقولون لو كان لنا من الأمر ) أي المسموع ) شيء ما قتلنا ههنا ( لأنا كنا نمكث في المدينة ولا نخرج إلى العدو .
ولما أخبر سبحانه وتعالى عنهم بما أخفوه جهلاً منهم ظناً أن الحذر يغني من لاقدر أمره سبحانه وتعالى بالرد عليهم بقوله : ( قل لو كنتم في بيوتكم ) أي بعد أن