كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 171
استزلّهم ) أي طلب زللهم عن ذلك المقام العالي ) الشيطان ) أي عدوهم البعيد من الرحمة المحترق باللعنة ) ببعض ما كسبوا ) أي من الذنوب التي لا تليق بمن طلب الدنو إلى حضران القدس ومواطن الأنس من ترك المركز والإقبال على الغنيمة وغير ذلك ، فإن القتال في الجهاد إنما هو بالأعمال ، فمن كان أصبر في أعمال الطاعة كان أجلد على قتال الكفار ، ولم يكن توليهم عن ضعف في نفس الأمر .
ولما كان ذلك مفهماً أن الذين تولوا صاروا من حزب الشيطان فاستحقوا ما استحق ألصق به قوله : ( ولقد عفا الله ) أي الذي له صفات الكمال ) عنهم ( لئلا تطير أفئدة المؤمنين منهم ، وختم ذلك ببيان علته مما هو أهله من الغفران والحلم فقال معيداً للاسم الأعظم تنبيهاً على أن الذنب عظيم والخطر بسببه جسيم ، فلولا الاشتمال على جميع صفات الكمال لعوجلوا بأعظم النكال : ( إن الله غفور ) أي محاء للذنوب عيناً وأثراً .
ولما كان الغفر قد يكون مع تحمل نفاه بقوله : ( حليم ) أي حيث لم يعامل المتولين حذر الموت معاملة الذين خرجوا من ديارهم - كما تقدم - حذر الموت ، فقال لهم الله : موتوا .
ولما كان قولهم : إنا لو ثبتنا في المدينة الممثلة بالدرع الحصينة - ( كما كان رأي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) والأكابر من أصحابه ) لسلمنا ، إلى غير ذلك مما أشار سبحانه وتعالى إليه قولاً موجباً لغيظ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) .
لما فيه من الاتهام وسوء العقيدة ، وكان مع ذلك مظنة لأن يخدع كثيراً من أهل الطاعة لشدة حبهم لمن قتل منهم وتعاظم أسفهم عليهم .
كان أنسب الأشياء المبادرة إلى الوعظ بما يزيل هذا الأثر ، ولما كان الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) مؤيداً بأعظم الثبات لما طبع عليه من الشيم الطاهرة والمحاسن الظاهرة كان الأنسب البداءة بغيره ، فنهى الذين آمنوا عن الانخداع بأقوالهم فقال تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا ) أي أظهروا الإقرار بالإيمان صدقوا قولكم بأن ) لا تكونوا كالذين كفروا ) أي بقلوبهم على وجه الستر ) وقالوا ) أي ما فضحهم ) لإخوانهم ) أي لأجل إخوانهم الأعزة عليهم نسباً أو مذهباً ) إذا ضربوا ) أي سافروا مطلق سفر ) في الأرض ) أي لمتجر غازٍ ، فماتوا أو قتلوا ) لو كانوا عندنا ( ي لم يفارقونا ) ما ماتوا وما قتلوا ( وهذا في غاية التهكم بهم ، لأن إطلاق هذا القول منهم - لا سيما على هذا التأكيد - يلزم منه ادعاء أنه لا يموت أحد في المدينة ، وهو لا يقوله عاقل .

الصفحة 171