كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 178
بما يفهمه الثاقب من دقائق الإشارات وبواطن العبارات ، وقدم التزكية لاقتضاء مقام المعاتبة على الإقبال على الغنيمة ذلك ، كما مضى في سورة البقرة ) ويعلمهم الكتاب ) أي تلاوة بكونه من نوعهم يلذ لهم التلقي منه ) والحكمة ( تفسيراً وإبانة وتحريراً ) وإن ) أي والحال أنهم ) كانوا ( ولما كانوا قد مرت لهم أزمان وهم على دين أبيهم إسماعيل عليه الصلاة والسلام نبه على ذلك بإدخال الجار فقال ) من قبل ) أي من قبل ذلك ) لفي ضلال مبين ) أي ظاهر ، وهو من شدة ظهوره كالذي ينادي على نفسه بإيضاح لبسه ، وفي ذلك إشارة إلى أنه عليه السلام علمهم من الحكمة في هذه الوقعة ما أوجب نصرتهم في أول النهار ، فلما خالفوه حصل الخذلان .
ولما أزال شبهة النسبة إلى الغلول بحذافيرها .
وأثبت ما له من أضدادها من معالي الشيم وشمائل الكرم صوب إلى شبهة قولهم : لو كان رسولاً ما انهزم أصحابه عنه ، فقال تعالى : ( أولما ) أي أتركتم ما أرشدكم إليه الرسول الكريم الحليم العليم الحكيم ولما ) أصابتكم ) أي في هذا اليوم ) مصيبة ( لمخالفتكم لأمره وإعراضكم عن إرشاده ) قد أصبتم مثليها ) أي في بدر وأنتم في لقاء العدو وكأنما تساقون إلى الموت على الضد مما كنتم فيه في هذه الغزوة ، وما كان ذلك إلا بامتثالكم لأمره وقبولكم لنصحه ) قلتم أنّى ( من أين وكيف أصابنا ) هذا ) أي بعد وعدنا النصر ) قل هو من عند انفسكم ) أي لأن الوعد كان مقيداً بالصبر والتقوى ، وقد تركتم المركز وأقبلتم على الغنائم قبل الأمر به ، وعن علي رضي الله تعالى عنه أن ذلك باختيارهم الفداء يوم بدر الذي نزل فيه
77 ( ) لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ( ) 7
[ الأنفال : 68 ] وأباح لهم سبحانه وتعالى الفداء بعد أن عاتبهم وشرط عليهم إن اختاروه أن يقتل منهم في العام المقبل بعدّ الأسرى ، فرضوا وقالوا : نستعين بما نأخذه منهم عليهم ثم نرزق الشهادة .
ثم علل ذلك بقوله : ( إن اله ) أي الذي لا كفوء له ) على كل شيء ) أي من النصر والخذلان ونصب أسباب كل منهما ) قدير ( وقد وعدكم بذلك سبحانه وتعالى في العام الماضي حين خيركم فاخترتم الفداء ، وخالف من خالف منكم الآن ، فكان ذكر المصيبة التي كان سببها مخالفة ما رتبه ( صلى الله عليه وسلم ) بعد ختم الآية التي قبلها بالتذكير بما كانوا عليه من الضلال على ما ترى من البلاغة .
ولما كانت نسبة المصيبة إليهم ربما أوهمت من لم ترسخ قدمه في المعارف الإلهية أن بعض الأفعال خارج عما مراده تعالى قال : ( وما أصابكم ( ولما استغرقت الحرب ذلك اليوم نزع الجار فقال : ( يوم التقى الجمعان ) أي حزب الهل وحزب الشيطان في أحد ) فبإذن الله ) أي بتمكين من له العظمة الكاملة وقضائه ، وإثبات أن ذلك بإذنه نحو ما ذكر عند التولية يوم التقى الجمعان من نسبة الإحياء والإماتة إليه .