كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 181
فقال : ( ألاّ خوف عليهم ) أي على إخوانهم في آخرتهم ) ولا هم يحزنون ) أي أصلاً ، لأنه لا يفقد منه شيء ، بل هم كل لحظة في زيادة ، وهذا أعظم البشرى لمن تركوا على مثل حالهم من المؤمنين ، لأنهم يلحقونهم في مثل ذلك ، لأن السبب واحد ، وهو منحة الله لهم بالقتل فيه ، أو مطلق الإيمان لمطلق ما هم فيه من السعادة بغير قيد الشهادة .
ولما ذكر سرورهم لأنفسهم تارة ولإخوانهم أخرى كرره تعظيماً له وإعلاماً بأنه في الحقيقة عن غير استحقاق .
وإنما هو مجرد مَنّ فقال : ( يستبشرون بنعمة من الله ) أي ذي الجلال والإكرام ، كبيرة ) وفضل ) أي منه عظيم ) وأن الله ) أي الملك الأعظم الذي لا يقدره أحد حق قدره ) لا يضيع أجر المؤمنين ) أي منهم ومن غيرهم ، بل يوفيهم أجرهم على أعمالهم ويفضل عليهم ، ولو شاء لحاسبهم على سبيل العدل ، ولو فعل ذلك لم يكن لهم شيء .
ولما ذم المنافقين برجوعهم من غير أن يصيبهم قرح ، ومدح أحوال الشهداء ترغيباً في الشهادة ، وأحوال من كانن على مثل حالهم ترغيباً في النسج على منوالهم ، وختم بتعليق السعادة بوصف الإيمان ، أخذ يذكر ما أثمر لهم إيمانهم من المبادرة إلى الإجابة إلى ما يهديهم إليه ( صلى الله عليه وسلم ) إشارة إلى أنه لم يحمل على التخلف عن أمره من غير عذر إلا صريح النفاق فقال : ( الذين استجابوا ) أي أوجدوا الإجابة في الجهاد إيجاداً مؤكداً محققاً ثابتاً ما عندهم من خالص الإيمان ) لله والرسول ) أي لا لغرض مغنم ولا غيره ، ثم عظم صدقهم بقوله - مثبتاً الجار لإرادة ما يأتي من إحدى الغزوتين إلا استغراق ما بعد الزمان - : ( من بعد ما أصابهم القرح ( ولما كان تعليق الأحكام بالأوصاف حاملاً على التحلي بها عند المدح قال سبحانه وتعالى : ( للذين أحسنوا ( وعبر بما يصلح للبيان والبعض ليدوم رغبهم ورهبهم فقال : ( منهم واتقوا أجر عظيم ( وهذه الآيات من تتمة هذه القصة سواء قلنا : إنها إشارة إلى غزوة حمراء الأسد ، أو غزوة بدر الموعد ، فإن الوعد كان يوم أحد - والله الهادي ، ومما يجب التنبيه له أن البيضاوي قال تبعاً للزمخشري : إن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) خرج إلى بدر الموعد في سبعين راكباً ، وفي تفسير البغوي أن ذلك كان في حمراء الأسد ، فإن حمل على أن الركبان من الجيش كان ذلك عددهم وأن الباقين كانوا مشاة فلعله ، وإلا فلسي كذلك ، وأما في حمراء الأسد فإن النبي صلى الله عليه سولم بلغه أن المشركين همموا بعد انفصالهم من أحد بالرجوع ، فأراد أن يرهبهم وأن يريهم من نفسه وأصحابه قوة ، فنادى مناديه يوم الأحد - الغد من يوم أُحد - بطلب العدون وأن لا يخرج معه إلا من كان حاضراً معه

الصفحة 181