كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 185
عند ربهم حال كونهم ) لم يمسسهم سوء ) أي من العدو خوفوه ولا غيره ) واتبعوا ) أي مع ذلك بطاعتهم لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بغاية جهدهم ) رضوان الله ) أي الذي له الجلال والجمال فحازوا أعظم فضله ) والله ) أي الذي لا كفوء له ) ذو عظيم ) أي في الدارين على من يرضيه ، فستنظرون فوق ما تؤملون ، فليبشر المجيب ويغتم ويحزن المتخلف ، ولعظم الأمر كرر الاسم الأعظم كثيراً .
ولما جزاهم سبحانه على أمثال ذلك بما وقع لهم من فوزهم بالسلامة والغنيمة بفضل من حاز أوصاف الكمال وتنزه عن كل نقص بما له من رداء الكبرياء والجلال ، ورغبهم فيما لديه لتوليهم إياه ، أتبع ذلك بما يزيدهم بصيرة من أن المخوف لهم مَن كيده ضعيف وأمره هين خفيف واهٍ سخيف وهو الشيطان ، وساق ذلك مساق التعليل لما قبله من حيازتهم للفضل وبعدهم عن السوء بأن وليهم الله وعدوهم الشيطان فقال التفاتاً إليهم بزيادة في تنشيطهم أو تشجيعهم وتثبيتهم : ( إنما ذلكم ) أي القائل الذي تقدم أنه الناس ) الشيطان ) أي الطريد البعيد المحترف .
ولما نسب القول إلأيه لأنه الذي زينه لهم حتى أشربته القلوب وامتلأت به الصدور ، كان كأنه قيل : فماذا عساه يصنع ؟ فقال : ( يخوف ) أي يخوفكم ) أولياءه ( لكنه أسقط المفعول الأول إشارة إلى أن تخويفه يؤول إلى خوف أوليائه ، لأنه أولياء الرحمن إذا ثبتوا لأجله أنجز لهم ما وعدهم من النصرة على أولياء الشيطان ، وإلى أن من خاف من تخويفه وعمل بموجب خوفه ففيه ولاية له تصحح إضافته إليه قلت أو كثرت .
ولما كان المعنى أنه يشوش بالخوف من أوليائه ، تسبب عنه النهي عن خوفهم فقال : ( فلا تخافوهم ) أي لأن وليهم الشيطان ) وخافون ) أي فلا تعصوا أمري ولا تتخلفوا أبداً عن رسولي ) إن كنتم مؤمنين ) أي مباعدين لأولياء الشيطان بوصف الإيمان .
ولما مدح سبحانه وتعالى المسارعين في طاعته وطاعة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) وختم ذلك بالنهي عن الخوف من أولياء الشيطان ، أعقبه بذم المسارعين في الكفر والنهي عن الحزن من أجلهم .
ولما كان أكثر الناس - كالمنافقين الراجعين عن أحد ، ثم المقاتلين القائلين : هل لنا من الأمر من شيء - أرجفوا إلى أبي عامر وعبد الله بن أبيّ لأخذ الأمان من أبي سفيان ، ثم ركب عبد القيس أو نعيم بن مسعود ، ثم من استجاب من أهل المدينة

الصفحة 185