كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 188
ولما كان من جملة مباني السورة الأنفاق ، وتقدم في غير آية مدح المتقين به وحثهم عليه ، وتقدم أن الكفار سارعوا في الكفر : أبو سفيان بالإنفاق في سبيل الشيطان على من يخذل الصحابة ، ونعيم أو عبد القيس بالسعي في ذلك .
وكان المبادرون إلى الجهاد قد تضمن فعلهم السماح بما آتاهم الله من الأنفس والأموال ، وكان الله سبحانه وتعالى قد أخبر لما لهم عنده من الحياة التي هي خير من حياتهم التي أذهبوها في حبه ، والرزق الذي هو أفضل مما أنفقوا في سبيله ، ذم الله سبحانه وتعالى الباخلين بالأنفس والأموال في سبيل الله فقال راداً الخطاب إليه ( صلى الله عليه وسلم ) لأنه أمكن لسروره وأوثق في إنجاز الوعد : ( ولا تحسبن ) أي أنت يا خير البرية - هذا على قراءة حمزة ، وعند الباقين الفاعل الموصول في قوله : ( الذين يبخلون ) أي عن الحقوق الشرعية ) بما آتهم الله ) أي بجلاله وعز كماله ) من فضله ) أي لا لاستحاقهم له ببخلهم ) هو خيراً لهم ) أي لتثمير المال بذلك ) بل هو ) أي البخل ) شر لهم ( لأنهم مع جعل الله البخل مَتلفة لأموالهم ) سيطوقون ) أي يفعل من يأمره بذلك كائناً من كان بغاية السهولة عليه ) ما يخلوا به ) أي يجعل لهم بوعد صادق لا خلف فيه بعد الإملاء لهم طوقاً بأن يجعله شجاعاً أي حية عظيمة مهولة ، تلزم الإنسان منهم ، محيطة بعنقه ، تضربه في جانبي وجهه ) يوم القيامة ( لأن الله سبحانه وتعالى يرثه منهم بعد أن كان خوّلهم فيه ، فيجعله بسبب ذلك التخويل عذاباً عليهم ، روى البخاري رضي الله تعالى عنه في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له ماله شجاعاً أقرع ، له زبيبتان ، يطوقه يوم القيامة ، يأخذ بلهزمتيه - يعني بشدقيه - يقول : أنا مالك أنا كنزك - ثم تلا هذه الآية ) ولما كان هذا طلباً منهم للإنفاق ، وكان الطالب منا محتاجاً إلى ما يطلبه ، وكان ذو المال إذا علم أنه ذاهب وأن ماله موروث عنه تصرف فيه ؛ أخبر تعالى بغناه على وجه يجرئهم على الإنفاق فقال عاطفاً على ما تقديره : لأنه ثمرة كونه من فضله فلله كل ما في أيديهم : ( والله ) أي الذي له الكمال كله ) ميراث السموات والأرض ) أي اللذين هذا مما فيهما ، بأن يعيد سبحانه وتعالى جميع الأحياء وإن املى لهم ، ويفنى سائر ما وهبهم من الأعراض ، ويكون هو الوارث لذلك كله .