كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 192
تصرف الروح في البدن وتكون هي باقية بعد موته لأن الذائق لا بد أن يكون حال ذوقه حيّاَ حساساً ، ومن يجوز عليه ذوق الموت يجوز عليه ذوق النار ، وهو عبد محتاج ، فالعاقل من سعى في النجاة منها والإنجاء كما فعل الخلص الذين منهم عيسى ومحمد علهيما أفضل الصلاة وأزكى السلام ، وكان نظمها بعد الآيات المقتضية لتوفية الأجور بالإثابة عليها وأنه ليس بظلام للعبيد شديد الحسن ، وذلك مناسب أيضاً لختم الآية بالتصريح لتوفية الأجور يوم الدين ، وأن الزحزحة عن النار ودخول الجنة لهو الفوز ، لا الشح في الدنيا بالنفس والمال الذي ربما كان سبباً لامتداد العمر وسعة المال بقوله : ( وإنما توفون ) أي تعطون ) أجوركم ( على التمام جزاء على ما عملتموه من خير وشر ) يوم القيامة ( وأما ما يكون قبل ذلك من نعيم القبر ونحوه فبعض لا وفاء ) فمن زحزح ) أي أبعد في ذلك اليوم إبعاداً عظيماً سريعاً ) عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ) أي بالحياة الدائمة والنعيم الباقي .
والمعنى أن كل نفس توفى ما عملت ، فتوفى أنت أجرك على صبرك على أذاهم ، وكذا من أطاعك ، ويجازون هم على ما فرطوا في حقك فيقذفون في عمرة النار ، وكان الحصر إشارة إلى تقبيح إقبالهم على الغنيمة وغيرها من التوسع العاجل ، أي إنما مقتضى الدين الذي دخلتم فيه هذا ، وذلك ترهيباً من الالتفات إلى تعجيل شيء من الأجر في الدنيا - كما قال أبو بكر رضي الله عنه في أول إسلامه : وجدت بضاعة بنسيئة ، ما وقعت على بضاعة قط أنفس منها ، هي لا إله إلا الله .
فالحاصل أن ( كل نفس ) أي حذرة من الموت ومستسلمة ) ذائقة الموت ) أي فعلام الاحتراس التي وعدتموها على الأعمال الصالحة ) يوم القيامة ) أي فما لكم تريدون تعجلها بإسراعكم إلى الغنائم أو غيرها مما يزيد في أعراض الدنيا فتكونوا ممن تعجل طيباته في الحياة الدنيا ) فمن ) أي فحيث علم أنه لا فوز في الدنيا إلا بما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى تسبب عن ذلك أنه من ) زحزح عن النار ) أي بكونه وفي أجره ولم يتعجل طيباته ) وأدخل الجنة ) أي بما عمل من الصالحات فحاز الحياة الدائمة مع الطيبات طيباته ) فقد فاز ) أي كل الفوز ، ولما صح أنه لا فوز إلا ذلك صح قوله : ( وما الحياة الدنيا ) أي التي أملي لهم فيها وأزيلت عن الشهداء ) إلا متاع الغرور ) أي المتاع الذي يدلس الشيطان أمره على الناس حتى يغتروا به فيغبنوا بترك الباقي وأخذ الأشياء الزائلة بانقضاء لذاتها والندم على شهواتها بالخوف من تبعاتها .
وفي ذلك أيضاً مناسبة من وجه آخر ، وهو أنه لما سلاه سبحانه وتعالى بالرسل ، الذين لازموا الصبر والاجتهاد في الطاعة حتى ماتوا - وأممهم .
وتركوا ما كان بأيديهم

الصفحة 192