كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 200
عمران : 170 - 170 ] خص المهاجرين بياناً لفضلهم وزيادة شرفهم بتحقيقهم لكونهم معه ، لم يأنسوا بغيره ولم يركنوا لسواه من أهل ولا مال بقوله مسبباً عن الولد المذكور ومفصلاً ومعظماً ومبجلاً : ( فالذين هاجروا ) أي صدقوا إيمانهم بمفارقة أحب الناس غليهم في الدين المؤدي إلى المقاطعة وأعز البلاد عليهم .
ولما كان للوطن من القلب منزل ليس لغيره نبه عليه بقوله : ( وأخرجوا من ديارهم ) أي وهي آثر المواطن عندهم بعد أن باعدوا أهلهم وهم أقرب الخلائق إلهم ، ولما كان الأذى مكروهاً لنفسه لا بالنسبة إلى معين بنى للمفعول قوله : ( وأوذوا ) أي بغير ذلك من أنواع الأذى ) في سبيلي ) أي بسبب ديني الذي نهجته ليسلك إليّ فيه ، وحكمت أنه لا وصول إلى رضائي بدونه ) وقتلوا ) أي في سبيلي .
ولما كان القتل نفسه هو المكروه ، لا بالنسبة إلى معين ؛ كان المدح على اقتحام موجباته ، فبنى للمفعول قوله : ( وقتلوا ) أي فيه فخرجوا بذلك عن مساكن أرواحهم بعد النزوح عن منازل أشباحهم ، وقراءة حمزة والكسائي بتقديم المبني للمفعول أبلغ معنى ، لأنها أشد ترغيباً في الإقدام على الأخصام ، لأن من استقل أقدم المبني للمفعول أبلغ إقدام الأسد فقتل أخص منه ولم يقف أحد أمامه ، فكأنه قيل : وأرادوا القتل ، هذا بالنظر إلى الإنسان نفسه ، ويجوز أن يكون الخطاب للمجموع فيكون المعنى : وقاتلوا بعد أن رأوا كثيراً من أصحابهم قد قتل ) لأكفرن عنهم سيئاتهم ( كما تقدم سؤالهم إياي في ذلك علماً منهم بأن أحداً لن يقدر على أن يقدر الله حق قدره وإن اجتهد ) ولأدخلنهم ) أي بفضلي ) جنات تجري من تحتها الأنهار ( كما سبق به الوعد ) ثواباً ( وهو وإن كان على أعمالهم فهو فضل منه ، وعظمه بقوله : ( من عند الله ) أي المنعوت بالأسماء الحسنى التي منها الكرم والرحمة لأن أعمالهم لا توازي أقل نعمه ) والله ) أي الذي له الجلال والإكرام ، ونبه على عظمة المحدث عنه بالعندية فقال : ( عنده ) أي في خزائن ملكوته التي هي في غاية العظمة ) حسن الثواب ) أي وهو ما لا شائبة كدر فيه ، لأنه شامل القدرة بخلاف غيره .
آل عمران : ( 196 - 198 ) لا يغرنك تقلب. .. . .
) لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ ( ( )
ولما كانت هذه المواعدة آجلة ، وكان نظرهم إلى ما فيه الكفار من عاجل السعة ربما أثر في بعض النفوس أثراً يقدح في الإيمان بالغيب الذي هو شرط قبول الإيمان ؛

الصفحة 200