كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 228
أخرجتهم عن الحق والعلم فكانوا كأنهم لا يعلمون - بعملهم عمل أهل الجاهلية الذين لا يعلمون ، وزاد في التنفير من مواقعة السوء والتحذير بقوله : ( ثم يتوبون ) أي يجددون التوبة .
ولما كان المراد الترغيب فيها ولو قصر زمنها بمعاودة الذنب أثبت الجار فقال : ( من ) أي من بعض زمان ) قريب ) أي من زمن المعصية هم في فسحة من الأجل ، وذلك كناية عن عدم الإصرار إلى الموت ، ولعله عبر بثم إشارة إلى بُعد التوبة ولا سيما مع القرب ممن واقع المعصية ، لأن الغالب أن الإنسان إذا ارتبك في حبائلها لا يخلص إلا بعد عسر ، ولذلك أشار إلى تعظيمهم بأداة البعد في قوله - مسبباً عن توبتهم واعداً أنه فاعل ما أوجبه على نفس لا محالة من غير خلف وإن كان لا يجب عليه شيء ، ولا يقبح منه شيء : ( فأولئك ) أي العظيمو الرتبة الصادقو الإيمان ) يتوب الله ) أي الذي له جميع صفات الكمال ) عليهم ) أي يردهم إلى ما كانوا فيه عندهم من مكانة القرب قبل مواقعة الذنب ) وكان الله ) أي المحيط علماً وقدرة ) عليماً ) أي بالصادقين في التوبة .
والكاذبين وبنياتهم ، فهو يعاملهم بحسب ما يقتضيه حالهم ) حكيماً ( فهو يضع الأشياء في أحكم محل لها ، فمهما فعله لم يمكن نقضه .
ولما بين بحسانه المقبول أتبعه المطرود فقال : ( وليست التوبة ) أي قبولها ) للذين يعملون السيئات ) أي واحده بعد أخرى مصرين عليها فسقة كانوا أو فكرة ، غير راجعين من قريب ، بل يمهلون ) حتى إذا حضر ( ولما كان تقديم المفعول - على وجه يجوّز كل سامع وقوعه عليه - أهول ، لكونه يصير مرتقباً حال فاعله ، خائفاً من عاقبته قال : ( أحدهم الموت ) أي بأن وصل إلى حد الغرغرة ، وهي حالة المعاينة ) قال ) أي بلسانه كفرعون ، أو قلبه ) إني تبت الآن ( فبين أن ما قبل الاحتضار قريب مع الترغيب في المسارعة جداً بالتعبير بقريب ) ولا الذين ) أي وليست التوبة للذين ) يموتون وهم كفار ( حقيقة أو مجازاً ، من غير أن يتوبوا ، ولا عند الغرغرة ، فسوى بين الفسق والكفر تنفيراً من الفسق لصعوبة النزع عنه بعد مواقعته ، ولذلك جمعهما في العذاب بقوله - جواباً لمن كأنه قال : فما جزاء هذين الصنفين : ( أولئك ) أي البعداء من الرحمة ، الذين لم يتوبوا إلا حال الغرغرة ، والذين ماتوا مصرين ) أعتدنا ) أي هيأنا وأحضرنا ) لهم عذاباً ( ولما كان تأخير التوبة لذة نفسانية ختم بقوله : ( أليماً ) أي نعذب به الكافرين ومن شئنا من عصاة المؤمنين ، لأن توبتهم في تلك الحالة عدم ، ولاميت من غير توبة من المؤمنين في المشيئة .