كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 24
بالمحكم لا يصلح الترامي إلى شيء من الخوض في المتشابه لأحد من أهل العلم والإيمان أهل الدرجات ، لأن الله سبحانه وتعالى جبل الخلق وفطرهم على إدراك حظ من أنفسهم من أحوالهم ، وأوقفهم عن إدراك ما هو راجع إليه ، فأمر الله وتجلياته لا تنال إلا بعنايه منه ، يزج العبد زجه يقطع به الحجب الظلمانية والنورانية التي فيها مواقف العلماء ؛ فليس في هذا الحرف المتشابه إلا أخذ لسانين : لسان وقفة عن حد الإيمان للراسخين في العلم المشتغلين بالاتصاف بالتذلل والتواضع والتقوى والبر الذي أمر أن يتبع فيه حتى ينتهي العبد إلى أن يحبه الله ، فيرفع عنه عجز الوقفه عن المتشابه ، وينقذه من حجاب النورانية ، فلا يشكل عليه دقيق ولا يعييه خفي بما أحبه الله ، وما بين ذلك من خوض دون إنقاذ هذه العناية فنقص عن حد رتبة الإيمان والرسوخ في العلم ، فكل خائض فيه ناقص من حيث يحب أن يزيد ، فهو إما عجو إيماني من حيث الفطر الخلقي ، وإما تحقق إيقاني توجبه العناية والمحبة انتهى .
ولما ذكر سبحانه وتعالى اتباعهم له ذكر علته فقال : ( ابتغاء الفتنة ) أي تمييل الناس عن عقائدهم بالشكوك ) وابتغاء تأويله ) أي ترجيعه إلى ما يشتهونه وتدعوا إليه نفوسهم المائلة وأهويتهم الباطلة بادعاء أنه مآله .
قال الحرالي : والابتغاء افتعال : تكلف البغي ، وهو شدة الطلب ، وجعله تعالى ابتغاءين لاختلاف وجهيه ، فجعل الأول فتنة لتعلقه بالغير وجعل الثاني تأويلاً أي طلباً للمآل عنده ، لاقتصاره على نفسه ، فكان أهون الزيغين انتهى .
ولما بين زيغهم بين أن نسبة خوضهم فيما لا يمكنهم علمه فقال : ( وما ) أي والحال أنه ما ) يعلم ( في الحال وعلى القطع ) تأويله ( قال الحرالي : هو ما يؤول إليه أمر الشيء في مآله إلى معاده ) إلا الله ) أي المحيط قدرة وعلماً ، قال : ولكل باد من الخلق مآل كما أن الآخرة مآل الدنيا
77 ( ) يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ( ) 7
[ الأعراف : 53 ] لذلك كل يوم من أيام الآخرة مآل للذي قبله ، فيوم الخلود مآل يوم الجزاء ، ومآل الأبد مآل يوم الخلود ؛ وأبد الأبد مآل الأبد ، وكذلك كل الخلق له مآل يوم الجزاء ، فأمر الله مآل خلقه وكذلك الأمر ، كل تنزيل أعلى منه مآل التنزيل الأدنى إلى كمال الأمر ، وكل أمر الله مآل من أسمائه وتجلياته ، وكل تجل أجلى مآل لما دونه من تجل أخفى ، قال عيه الصلاة والسلام : ( فيأتيهم ربهم في غير الصورة التي يعرفونها الحديث إلى قوله : أنت ربنا ( فكان تجليه الأظهر لهم مآل

الصفحة 24