كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 245
إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً ) 73
( ) 71
ولما قرر سبحانه وتعالى إرادته لصلاحهم ورغب في اتباع الهدى بعلمه وحكمته عطف على ذلك قوله : ( واله ( بلطف منه وعظم سلطانه ) يريد ( إي بإنزاله هذا الكتاب العظيم وإرساله هذا الرسول الكريم ) أن يتوب عليكم ) أي يرجع لكم بالبيان الشافي عما كنتم عليه من طرق الضلال لما كنتم فيه من العمى بالجهل ، وزادهم في ذلك رغبة بقوله : ( ويريد الذين يتبعون ) أي على سبيل المبالغة والاستمرار ) الشهوات ) أي من أهل الكتابين وغيرهم كشاش بن قيس وغيره من الأعداء ) أن تميلوا ) أي عن سبيل الرشاد ) ميلاً عظيماً ) أي إلى أن تصيروا إلى ما كنتم فيه من الشرك والضلال ، فقد أبلغ سبحانه في الحمل على الهدى بموافقة الولي المنعم الجليل الذي لا تلحقه شائبة نقص ، ومخالفة العدو الحسود الجاهل النازل من أوج العقل إلى حضيض طباع البهائم .
ولما كان الميل متعباً لمرتكبه أخبرهم أن علة بيانه للهداية وإرادته التوبة الرفق بهم فقال : ( يريد الله ) أي وهو الذي له الجلال والجمال وجميع العظمة والكمال ) إن يخفف عنكم ) أي يفعل في هذا البيان وهذه الأحكام فعل من يريد ذلك ، فيضع عنكم الآصار التي كانت على من كان قبلكم الحاملة على الميل ، ويرخص لكم في بعض الأشياء كنكاح الأمة - على ما تقدم ، ودل على علة ذلك بالواو العاطفة ؛ لأنكم خلقتم ضعفاء يشق عليكم الثقل ) وخلق الإنسان ) أي الذي أنتم بعضه ) ضعيفاً ( مبناه الحاجة ، فهو لا يصبر عن النكاح ولا غيره من الشهوات ، ولا يقوى على فعل شيء إلا بتأييد منه سبحانه .
ولما كان غالب ما مضى مبنياً على الأموال تارة بالإرث ، وتارة بالجعل في النكاح ، حلالاً أو حراماً ؛ قال تعالى - إنتاجاً مما مضى بعد أن بين الحق من الباطل وبين ضعف هذا النوع كله ، فبطل تعليلهم لمنع النساء والصغار من الإرث بالضعف ، وبعد أن بين كيفية الترصف في أمر النكاح بالأموال وغيرها حفظاً للأنساب ، ذاكراً كيفية التصرف في الأموال ، تطهيراً للإنسان ، مخاطباً لأدنى الأسنان في الإيمان ، ترفيعاً لغيرهم عن مثل هذا الشأن : ( ياأيها الذين آمنوا ) أي أقروا بالإيمان والتزام الأحكام .
ولما كان الأكل أعظم المقاصد بالمال ، وكان العرب يرون التهافت على الأكل أعظم العار وإن كان حلالاً ؛ كنى به التناول فقال : ( لا تأكلوا ) أي تتناولو ) أموالكم ) أي الأموال التي جعلها الله قياماً للناس ) بينكم بالباطل ) أي من التسبب فيها بأخذ

الصفحة 245