كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 270
بذلك كل وقت ، ليكون الجزاء من جنس العمل ، فإنه لو لم يُعِدْ منهم ما وهي لأداه وهيه إلى البلى ، ولو بلى منهم شيء لبلوا كلهم فانقطع عذابهم .
ولما كان هذا أمراً لم يعهد مثله ، دل على قدرته عليه بقوله : ( إن الله ) أي الملك الأعظم ) كان ( ولم يزل ) عزيراً ) أي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ) حكيماً ( ي يتقن صنعه ، فجعل عذابهم على قدر ذنوبهم ، لأن عزائمهم كانت على دوامهم على ما استحقوا به ذلك ما بقوا .
ولما ذكر الترهيب بعقاب الكافرين أتبعه الترغيب بثواب المؤمنين فقال : ( والذين آمنوا ) أي أقروا بالإيمان ) وعملوا ( بياناً لصدقهم فيه ) الصالحات سندخلهم ) أي بوعد لا خلف فيه ، وربما أفهم التنفيس لهم بالسين دون سوف - كما في الكافرين - أنهم أقصر الأمم مدة ، أو أنهم أقصرهم أعماراً إراحة لهم من دار الكدر إلى محل الصفاء ، وأنهم يدخلون الجنة قبل جميع الفرق الناجية من أهل الموقف ) جنات ) أي بساتين ، ووصفها بما يديم بهجتها ويعظم نضرتها وزهرتها فقال : ( تجري من تحتها الأنهار ) أي إن أرضها في غاية الريّ ، كل موضع منها صالح لأن تجري منه نهر .
ولما ذكر قيامها وما به دوامها ، أتبعه ما تهواه النفوس من استمرار الإقامة بها فقال : ( خالدين فيها أبداً ( ولما وصف حسن الدار ذكر حسن الجار فقال : ( لهم فيها أزواج ( والمطرد في وصف جمع القلة لمن يفضل الألف والتاء ، فعدل هنا عن ذلك إلى الوحدة لإفهام أنهن لشدة الموافقة في الطهر كذات واحد فقيل : ( مطهرة ) أي متكرر طهرها ، لا توجد وقتاً وكانت الشمس تنسخ الظل فتخرج إلى التحول إلى مكان آخر ، وربما آذى حرها ، أمّن من ذلك فيها بقوله : ( وندخلهم ) أي فيها ) ظلاً ) أي عظيماً ، وأكده بقوله ) ظليلاً ) أي متصلاً لا فرج فيه ، منبسطاً لا ضيق معه دائماً لا تصيبه الشمس يوماً ما ، ولا حر فيه ولا برد ، بل هو في غاية الاعتدال .
ولما تقدم في هذه السورة الأمر بالإحسان والعدل في النساء واليتامى في الإرث وغيره ، وفي غير ذلك من الدماء والأموال والأقوال والأفعال ، وذكرخيانة أهل الكتاب وما أحل بهم لذلك من العقاب ، وذكر أنه آتى هذه الأمة الملك المقتضي للحكم ، وآتاهم الحكمة بعد جهلهم وضعفهم ؛ أقبل عليهم بلذيذ خطابه بعد ما وعدهم على امتثال أمره من كريم ثوابه بما ختمه بالظل الموعود على العدل في حديث ( سبعة يظلمهم الله في ظله ) فقال : ( إن الله ) أي الذي له صفات الكمال ) يأمركم ) أي أيتها الأمة ) إن

الصفحة 270