كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 273
ولما كان التقدير - كما أفهمه آخر الآية وأشعر به أولها بعد أن جمع الخلق على طاعته بالطريقة الذي ذكره : فمن أبى ذلك فليس بمؤمن ، دل عليه بقوله معجباً مخاطباً لأكمل الخلق الذي عرفه الله المنافقين في لحن القول : ( ألم تر ( وأشار إلى بعدهم عن على حضرته بقوله : ( إلى الذين ( وإلى كذبهم ودوام نفاقهم بقوله : ( يزعمون أنهم آمنوا ) أي أوجدوا هذه الحقيقة وأوقعوها في أنفسهم ) بما أنزل إليك ( ودل على أن هذا الزاعم المنافق كان من أهل الكتاب قبل ادعاء الإسلام بقوله : ( وما ) أي ويزعمون أنهم آمنوا بما ) أنزل من قبلك ) أي من التوراة والإنجيل ، قال الأصبهاني : ولا يستعمل - أي الزعم - في الأكثر إلا في القول الذي لا يتحقق ، يقال : زعم فلان - إذا شك فيه فلم يعرف كذبه أو صدقه ، والمراد أن هؤلاء قالوا قولاً هو عند من لا يعلم البواطن أهل لأن يشك فيه بدليل أنهم ) يريدون أن يتحاكموا ) أي هم وغرماؤكم ) إلى الطاغوت ) أي إلى الباطل المعرق في البطلان ) وقد ) أي والحال أنهم قد ) أمروا ( منم له الأمر ) أن يكفروا به ( في كل ما أنزل من كتابك وما قبله ، ومتى تحاكموا إليه كانوا مؤمنين به أي بالتحاكم إليه ) ضلالاً بعيداً ( بحيث لا يمكنهم معه الرجوع إلى الهدى .
وهذه الآية سبب تسمية عمر رضي الله عنه بالفاروق لضربه عنق منافق لم يرض بحكم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في قصة ذكرها الثعلبي من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما .
ولما ذكر ضلالهم بالإرادة ورغبتهم في التحاكم إلى الطاغوت ، ذكر فعلهم فيه في نفرتهم عن التحاكم إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : ( وإذا قيل لهم ) أي من أي قائل كان ) تعالوا ) أي أقبلوا رافعين أنفسكم من وهاد الجهل إلى شرف العلم ) إلى ما أنزل الله ) أي الذي عنده كل شيء ) وإلى الرسول ) أي الذي تجب طاعته لأجل مرسله مع أنه أكمل الرسل الذين هم أكمل الخلق رسالة ، رأيتهم - هكذا كان الأصل ، ولكنه أظهر الوصف الذي دل على كذبهم فيما زعموه من الإيمان فقال : ( رأيت المنافقين يصدون ) أي يعرضون ) عنك ( وأكد ذلك بقوله : ( صدوداً ) أي هو في أعلى طبقات الصدود .
ولما تسبب عن هذا تهديدهم ، قال - مهولاً لوعيدهم بالإبهام والتعجيب منه بالاستفهام ، معلماً بأنهم سيندمون حين لا ينفعهم الندم ، ولا يغني عنهم الاعتذار - : ( فكيف ) أي يكون حالهم ) إذا أصابتهم مصيبة ) أي عقوبة هائلة ) بما قدمت أيديهم ( مما ذكرنا ومن غيره .
ولما كان الذي ينبغي أن يكون تناقضهم بعيداً لأن الكذب عند العرب كان شديداً ؛ قال : ( ثم جاءوك ) أي خاضعين بما لينت منهم تلك المصيبة حال

الصفحة 273