كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 284
ولما كان ذلك جمعاً ناسب التشديد المراد به الكثرة في ) مشيّدة ) أي مطولة ، كل واحد منها شاهق في الهواء منيع ، وهو مع ذلك مطلي بالشيد أي بالجص ، فلا خلل فيه أصلاً ، ويجوز أن يراد بالتشيد مجرد الإتقان ، يعني أنها مبالغ في تحصينها - لأن السياق أيضاً يقتضيه ، فإذا كان لا بد من الموت فلأن يكون في الجهاد الذي يستعقب السعادة الأبدية أولىمن أن يكون في غيره .
ثم عطف ما بقي من أقوالهم على ما سلف منها في قوله :
77 ( ) ربنا لم كتبت ( ) 7
[ النساء : 77 ] إلى آخره وإن كان هذا الناس منهم غير الأولين ، ويجوز أن يقال : إنه لما أخبر أن الحذر لا يغني من القدر أتبع ذلك حالاً لهم مبكتاً به لمن توانى في أمره ، مؤذناً بالالتفات إلى الغيبة إعراضاً عن خطابهم ببعض غضب ، لأنهم جمعوا إلى الإخلال بتعظيمهم لله تعالى الإخلال بالأدب مع الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) الذي أرسله ليطاع بإذن الله فقال : ( وإن ) أي قالوا ذلك والحال أنه إن ) تصبهم ) أي بعض المدعوّين من الأمة ، وهم من كان في قلبه مرض ) حسنة ) أي شيء يعجبهم ، ويحسن وقعه عندهم من أي شيء كان ) يقولوا هذه من عند الله ) أي الذي له الأمر كله ، لا دخل لك فيها ) وإن تصبهم سيئة ) أي حالة تسوءهم من أي جهة كانت ) يقولوا هذه من عندك ) أي من جهة حلولك في هذا البلد تطيراً بك .
ولما كان هذا أمراً فادحاً ، وللفؤاد محرقاً وقادحاً ، سهل عليه بقوله : ( قل كل ) أي من السيئة والحسنة في الحقيقة دنيوية كانت أو أخروية ) من عند الله ) أي الذي له كل شيء ، ولا شيء لغيره ، وذلك كما قالوا لما مات أبو أمامة أسعد بن زرارة نقيب بني النجار رضي الله تعالى عنه عندما هاجر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) - كما في السيرة : ( بئس الميت أبو أمامة ليهود ومنافقي العرب يقولون : لو كان نبياً لم يمت صاحبه ، ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي منالله شيئاً )