كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 289
ولما بين سبحانه وتعالى نفاقهم المقتضي لتقاعدهم عن الجهاد بأنفسهم وتنشيطهم لغيرهم ، كان ذلك سبباً لأن يمضي ( صلى الله عليه وسلم ) لأمره سبحانه وتعالى من غير التفات إليهم وافقوا أو نافقوا ، فقال سبحانه وتعالى بعد الأمر بالنفر ثبات وجميعاً ، وبيان أن منهم المبطىء ، مشيراً إلى أن الأمر باق وإن بطّأ الكل : ( فقاتل في سبيل الله ) أي الذي له الأمر كله ولو كنت وحدك .
ولما كان كأنه قيل : فما أفعل فيمن أرسلت إليهم إن لم يخرجوا ؟ قال - معلماً بأنه قد جعله اشجع الناس وأعلمهم بالحروب وتدبيرها ، وهو مع تأييده بذلك قد تكفل بنصرته ولم يكله إلى أحد - : ( لا تكلف إلا نفسك ) أي ليس عليك إثم تباعك لو تخلفوا عنك ، وقد أعاذهم الله سبحانه وتعالى من ذلك ، ولا ضرر عليك في الدنيا أيضاً من تخليهم ، فإن الله سبحانه وتعالى ناصرك وحده ، وليس النصر إلا بيده سبحانه وتعالى ، وما كان سبحانه وتعالى ليأمره بشيء إلا وهو كفوء له ، فهو ملىء بمقاتلة الكفار كلهم وحده وإن كانوا أهل الأرض كلهم ، ولقد عزم في غزوة بدر الموعد - التي قيل : إنها سبب نزول هذه الآية - على الخروج إلى الكفار ولو لم يخرج معه أحد ؛ وقد اقتدى به صاحبه الصديق رضي الله تعالى عنه في قتال أهل الردة فقال للصحابة رضي الله تعالى عنهم : والله لو لم أجد إلا هاتين - يعني ابنتيه : عائشة وأسماء رضي الله تعالى عنهما - لقاتلتهم بهما .
ولما كان ذلك قد يفتر عن الدعاء قال : ( وحرض المؤمنين ) أي مرهم بالجهاد وانههم عن تركه وعن مواصلة كل من يثبطهم عنه وعظمهم واجتهد في أمرهم حتى يكونوا مستعدين للنفر متى ندبوا حتى كأنهم لشدة استعدادهم حاضرون في الصف دائماً .
ثم استأنف الذكر لثمرة ذلك فقال : ( عسى الله ) أي الذي استجمع صفات الكمال ) أن يكف ( بما له من العظمة ) بأس الذين كفروا ) أي عن أن يمنعوك من إظهار الدين بقتالك وقتال من تحرضه ، ولقد فعل سبحانه وتعالى ذلك ، فصدق وعده ، ونصر عبده ، هزم الأحزاب وحده ، حتى ظهر الدين ، ولا يزال ظاهراً حتى يكون آخر ذلك على يد عيسى عليه الصلاة والسلام .
ولما كان السامع ربما فهم أنه لا يتأتى كفهم إلا بذلك ، قال ترغيباً وترهيباً واحتراساً : ( والله ) أي الذي لا مثل له ) أشد بأساً ) أي عذاباً وشدة من المقاتلين والمقاتَلين ) وأشد تنكيلاً ) أي تعذيباً بأعظم العذاب ، ليكون ذلك مهلكاً للمعذب